السبت 1439/03/28 هـ
الأخبار ||

الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا الحلقة الثانية

الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا الحلقة الثانية
7/27/2017 12:17:35 AM
الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا الحلقة الثانية

الثورة العربية

وأباطيل الجماعات الوظيفية

كتاب عبد العزيز الريس نموذجا

بقلم: محمد بن مبارك الهاجري

(2)

توظيف نصوص السمع والطاعة للأنظمة الطاغوتية:

لا يكاد يخرج في الأمة عالم أو سياسي مصلح يدعو إلى الشورى والعدل وسنن الخلافة الراشدة في باب الإمامة والسياسة، ورافضا سياسة الطغاة والجبابرة، إلا وتكالب عليه أصحاب الخطاب الديني المبدل من سدنة الطغاة والجماعات الوظيفية؛ نصرة لأنظمتهم القائمة والدفاع عنها، بشبه دينية مزيفة نسبوها لعقيدة أهل السنة والجماعة كذبا وزورا، كالسمع والطاعة للطغاة، ولو ترتب على ذلك تعطيل الإسلام وشريعته، وكان الدين والطاعة لغير الله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}!والدين الطاعة.

ومن لوازم تأصيلاتهم الباطلة والمزيفة التي التزموها- والتي يروجونها باسم عقيدة أهل السنة والجماعة لتقرير طاعة كل حاكم - أنه لا يجوز الدعوة للخلافة ولا لوحدة الأمة ولا للجهاد ولا لإقامة الشريعة، وإقامة القسط بين الناس، ولا المطالبة بالحقوق، ولا الحسبة على السلطة؛ بل عدوا هذه الأصول من الفتن والبدع التي يروجها بزعمهم الحركيون والتكفيريون والديمقراطيون والتنويريون، والتي يجب التحذير منها والتصدي لها؛ حماية للطغاة والرؤساء وقصورهم وعروشهم، فصارت بذلك الطاعة لغير الله، وهذا هو الشرك الذي بعث الله الرسل لإبطاله والتحذير منه، كما قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}، وقال:{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا} أي اتخذوهم أربابا في الطاعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كثير من المتفقهة وأجناد الملوك وأتباع القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة... فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه، والحرام ما حرمه والحلال ما حلله والدين ما شرعه، إما دينا وإما دنيا وإما دنيا ودينا. ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا في طاعته بغير سلطان من الله).([1])

فيقرر أصحاب الخطاب الديني المبدل طاعة الطغاة وأن كل من يعترض على طغيان السلطة فهو مستحق للعقوبة بين قتل أوسجن أوتعذيب، قال ابن ريس:(إن كانت المعارضة لإسقاط حكم الحاكم وتفريق الكلمة فإن المعارض يقتل، أو كان المعارض يتبنى عقيدة الخروج على الحاكم المسلم، فإنه يستحق القتل؛ لأنه مبتدع).([2])

وقال: (حديث "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه". هو دال على قتال من خرج على السلطان خروجا عمليا سياسيا بلا عقيدة الخوارج).([3])

وقال: (ليس كل من خرج على حاكم فإنه يكفره لكن ليس القتال محصورا على الخوارج؛ بل إن القتال أيضا لكل خارج على الحاكم ولو لم يكفره؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأنه مفسد في الأرض).([4])

وقال: (ومنهم من يخرج لحظ دنيوي، فهؤلاء يقاتلون؛ لأنهم مفسدون في الأرض، وليس لأنهم خوارج).([5])

وقال:(من جاء لتفريق الصف ومنازعة الحاكم في حكمه، فمثله يقتل، وهو من المفسدين في الأرض).([6])

وهكذا يوزع ابن ريس صكوك الشرعية للطغاة المجرمين لقتل المسلمين بحجة طاعة (ولي الأمر) كما فعل إمامهعلي جمعة مفتي السيسي في مذابح المصلين في ميداني رابعة والنهضة في القاهرة!

وفي هذا التنظير الذي يروجه ابن ريس غاية ما يتمناه الطاغية،بأن تكون الطاعة المطلقة لهول ملئه، وأن يخضع الناس لأوامره حتى يصبح بمكانة الله جل جلاله الذي {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}!

فحقيقة ما يسعى إليه الطاغوت أن يكون الأمر والطاعة له، وإخضاع الناس لأوامره، وأن لا ينازعهم أحد في ذلك ولو كانت طاعة الله ورسله كما قال سلفهم فرعون فيمن أراد أن يخرج عن طاعته {قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين}.

وهذه هي حقيقة الربوبية والألوهية التي ينازع الأرباب البشرية الله فيها في أرضه وبين عباده، كما قال الملأ من قوم فرعون: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} أي في الخضوع والطاعة، وقال الله عن النمرود في نزاعه لربوبية الله في إثبات أنه الملك الحق وأن الأمر المطلق والطاعة النافذة له {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت}.

وهذا الصراع والتنازع في الأرض بين طاعة الرحمن وطاعة الطغيان من الأرباب البشرية قديم موجود مذ وجد الطاغوت من الإنسان والشيطان، ومن صوره منازعتهم لطاعة الرحمن ما ذكره القرآن في قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}.

وقال سبحانه في التحذير من طاعة الشيطان: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان}.قال ابن سعدي: (طاعتهم هي عبادتهم، لأن العبادة الطاعة).([7])

وسيستمر هذا الصراع بين طاعة الله الملك الحق، وطاعة ملوك الباطل {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ويفصل هذا التنازع في يوم الفصل، في يوم تتجلى فيها الحقائق، حينها يقول الله للطغاة والظلمة من ملوك الأرض: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار . اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم}، في الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض).([8]) وفي رواية عن ابن عمر (يطوى الله عز وجل السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوى الأرضين بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون).([9])

 ومن أمثلة الطغاة فيما وصلوا فيه من طغيان على عباد الرحمن تحت حجة أنهم ولاة أمر يجب طاعتهم،ما جاء عن الحاكم بأمر الله الفاطمي وما كانت تصدر منه من قرارات يفرضها على المسلمين وينفذونها، قال ابن كثير: (كان كثير التلون في أفعاله وأحكامه وأقواله، جائرا،وقد كان يروم أن يدعي الألوهية كما ادعاها فرعون، فكان قد أمر الرعية إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفا، إعظاما لذكره واحتراما لاسمه، فعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجدا له، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم، ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم، وأمر في وقت لأهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كرها، ثم أذن لهم في العود إلى دينهم، وخرب كنائسهم ثم عمرها، وخرب القمامة ثم أعادها، وابتنى المدارس. وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، ثم قتلهم وأخربها، وألزم الناس بغلق الأسواق نهارا، وفتحها ليلا، فامتثلوا ذلك دهرا طويلا، حتى اجتاز مرة برجل يعمل النجارة في أثناء النهار. فوقف عليه فقال: ألم أنهكم؟ فقال: يا سيدي لما كان الناس يتعيشون بالنهار كانوا يسهرون بالليل، ولما كانوا يتعيشون بالليل سهروا بالنهار فهذا من جملة السهر، فتبسم وتركه. وأعاد الناس إلى أمرهم الأول،وكل هذا تغيير للرسوم، واختبار لطاعة العامة له، ليرقى في ذلك إلى ما هو أشر وأعظم منه).([10])

ومن ذلك ما نراه اليوم من حصار الشعب القطري المسلم وما ترتب عليه من تجاوزات وظلم أضرّ بالإنسان والحيوان! ومنع شعبها من زيارة الحرمين الشريفين وأداء الحج والعمرة بل ومنعوا شعوبهم من التعاطف معهم! حتى وإن كانوا إخوانا لهم وأبناء عمومتهم، ووصلت عقوبة هذا التعاطف السجن لخمس عشرة سنة مع الغرامة بمئات الآلاف! هذا فيمن تعاطف فكيف بمن أنكر أوناصر؟

ووجد من يبرر هذا الظلم البين باسم الشريعة من شيوخ ومؤسسات دينية، وقد عدّ شيخ الإسلام ابن تيمية تشريع الظلم البين من الأمور التي تخرج من الملة بالإجماع ولو قال أنه رأيه ومذهبه حيث قال: (الشرع المبدل وهو الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو على الناس بشهادات الزورونحوها والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع. كمن قال: إن الدم والميتة حلال، ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك).([11])

فلا يزال أصحاب الخطاب الديني المبدل يخضعون المستضعفين لهؤلاء الجبارين، باسم عقيدة أهل السنة وإجماعهم، وطاعة المتغلب، ويرهبونهم بالوعيد الشديد لمن خرج عن طاعتهم يوم القيامة، بعد أن حرّفوا قول الله الواضح فيهم وفي من يطيعهم ويتبعهم، وما يستوجبه من لعنات في الدنيا والآخرة؛ كقوله تعالى: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا}وقوله: {واتبعوا أمر كل جبار عنيد}، وقوله عن فرعون وقومه: {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين}، وقال: {فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد}، وقال نبي الله صالح لقوله: {ولا تطيعوا أمر المسرفين}.

فهل يريد ابن ريس ومن على طريقه أن نأخذ بقولهم في هؤلاء الطغاة أم بقول الله فيهم؟

براءة المرجئة من القاديانية الجديدة:

فحقيقة دعوة أصحاب الخطاب الديني المبدل وسدنة الطغاة وما يروجونه هو الطاعة المطلقة لهؤلاء وأتباعهم بكل أوامرهم بحجة طاعة (ولي الأمر) حتى في شرعنة قراراتهم وخياناتهم للأمة وللدين؛ بحجة أنهم أعلم بالمصلحة وأدرى.

ومما قرره ابن ريس من أباطيل ادعاؤه وجوب البيعة والسمع والطاعة لكل حاكم ادعى الإسلام وحكم المسلمين بأي حكم كان ولو حكم بالطاغوت الذي ينافي الإسلام ما دام مسلما، ولو نصبه العدو الغازي؛واستدل بزعمه بعموم النصوص التي جاءت ببيعة خلفاء المسلمين، فلا فرق عنده بين الخليفة الراشد والطاغوت الظالم،وهو في اتباعه لكل حاكم وكل نظام على طريقة المرجئة وسدنة الطغاة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارا).([12]) وقال: (من يبيح الملك مطلقا من غير تقيد بسنة الخلفاء كما هو فعل الظلمة والإباحية والمرجئة).([13])

بل إن المرجئة بريئون من مفتي الاحتلال وسدنة الطاغوت وقاديانية العصر!

وهذه طالبان في أفغانستان وهم على طريقة الإمام أبي حنيفة- مع قولهم بإرجاء الفقهاء -يجاهدون الاحتلال الصليبي الأمريكي، فلم يقبلوا الاحتلال وحكومته الوظيفية كما يدعو له ابن ريس والقديانيون الجدد!

 دعوة أصحاب الخطاب الديني المبدل للقتال في سبيل الطاغوت:

ومما جاء به ابن ريس من تقريرات باطلة والتي يروجها الجماعات الوظيفية، استدلاله على وجوب طاعة الطاغوت بحجة عموم الأدلة، وأنه لا فرق بين الأئمة الراشدين والطغاة الجبارين فقال: (ولو كان هناك فرق لبينته الشريعة، فإن الأصل بقاء العام على عمومه، وإليك بعض هذه الأدلة:

1- قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر}. وجه الدلالة: أن كلمة {أولي} نكرة أضيفت إلى معرفة فأفادت العموم في كل حاكم بما أنه مسلم).([14])

واستدل على هذا العموم أيضا بحديث (وأن لا ننازع الأمر أهله)، فقال:(أهله لفظ عام، وذلك أن لفظ أهل نكرة مضافة إلى معرفة، وهو الضمير، فأفادت العموم في كل حاكم مسلم).([15])

فتوصل ابن ريس باستنباطاته الأصولية وتأويلاته الشيطانية إلى أن الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان من الأرباب البشرية وطاعتهم،أنه يوجب طاعتهم وبيعتهم لعموم النصوص!

بل وأدخل معهم في هذا العموم المنافقين والخونة، ومن نصبهم الغزاة وجاء بهم الأعداء، حيث قال:(اشترط السمع والطاعة – يعني د حاكم - للحاكم المسلم القوي الذي لا يخاف من قوى أعظم كفرية، أو لحاكم لا يسير على مخططات الغرب، وهذا اشتراط باطل... فإن أدلة السمع والطاعة لم تفرق بين المتغلب بنفسه أو بغيره).([16]) يعني من جاء به الاحتلال وهو يدعي الإسلام فهو داخل في عموم من تجب له السمع والطاعة!

وقال (وأن الحكمة التي شرع من أجلها السمع والطاعة تتحقق مع وجود الحكومات بهذه الحالة).([17])يعني التي نصبها الاحتلال في بلاد المسلمين وتدير أعماله!

ولم يكتف ابن ريس بهذه العقيدة الباطلة لنفسه وجماعته، بل جعلها من إجماعات أهل السنة، والتي يضل من خالفها ويكون من أهل البدع والضلال،فقال: (أن أدلة السمع والطاعة لم تفرق بين المتغلب بنفسه أو بغيره، وكذلك إجماعات أهل السنّة).([18])

وقال: (قرر كثير من أهل السنة في كتب العقائد الإجماع على وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم، وحرمة الخروج عليه ولو فسق وظلم، فدل هذا على أن المخالف في هذا هم أهل البدع والضلال).([19])

ولم يتوقف ابن ريس في انحداره بهذا الطرح المشبوه إلى الحضيض،بل زاد في عمايته وضلاله،فجعل كل دعوة تعكّر على هذه الطاعة المزعومة للطغاة والأرباب البشرية وحكومات الاحتلال، ويتحرر بها المستضعفون من العبودية؛ هي دعوة باطلة ومن الفساد في الأرض،ويجب قمعها بكل وسيلة ولو بقتل المعارضين وإبادتهم، ولو دعت إلى الاستقلال والعدل والحرية والحقوق السياسية والمعارضة السلمية، قال ابن ريس: (أظهر كثير من هؤلاء باطلهم باسم الحرية والحقوق، فخدعوا العامة من الناس، وما علموا أن حقيقة هذه الحرية والحقوق المدعاة إفساد للدنيا وهلاك للدين، فإن الشريعة ما شرعت السمع والطاعة للإمام والسلطان إلا لمصالح العباد).([20])

وقال: (لا أثر كبير يترتب على كون مسألة الخروج عقدية أو فقهية؛ لأن العلماء مجمعون على أن من خرج على حاكم مسلم ولو ظالما فإنه مبتدع ضال).([21])

وقال في قتل المعارضين للطغاة وظلمهم:(إن كانت المعارضة لإسقاط حكم الحاكم وتفريق الكلمة فإن المعارض يقتل، أو كان المعارض يتبنى عقيدة الخروج على الحاكم المسلم، فإنه يستحق القتل؛ لأنه مبتدع).([22])

واستدل ابن ريس بالسنّة على جواز قتل الطغاة والمجرمين للثائرين فقال: (حديث "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه". هو دال على قتال من خرج على السلطان خروجا عمليا سياسيا بلا عقيدة الخوارج).([23])

وقال (ليس القتال محصورا على الخوارج؛ بل إن القتال أيضا لكل خارج على الحاكم ولو لم يكفره؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأنه مفسد في الأرض).([24])

ولم يبح ابن ريس للطغاة قتل المستضعفين والمصلحين فقط بل أوجب القتال معهم ونصرتهم،حتى لو كان الخارج على هؤلاء الطغاة من أعدل أهل الأرض وأصلحهم فإنه يجب أن يقاتل مع الطاغوت! والله يقول: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم}!

ولذا عندما نقل د. حاكم المطيري أنه لا خلاف بين السلف أنه إن خرج عدل مثل (الحسين) على أئمة الجور مثل (يزيد) أنه لا يجوز القتال مع أئمة الجور.([25])

استشاط ابن ريس غضبا وقال: (هذه مبالغة من حاكم العبيسان، ولا يستغرب من مثله هذه الاندفاعات والحماسات والمبالغات).([26])وقال: (وسبب اندفاع حاكم العبيسان على حكاية هذا الإجماع أصله الفاسد في تقرير جواز خروج الأمة على الحاكم الجائر، فتكون إعانة الحاكم على قتال من خرج عليه إعانة على الإثم والعدوان، وقد أجمع العلماء على حرمة إعانته على الإثم والعدوان).([27])

وقال (ولو وفق العبيسان لعلم أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا كلام العلماء على القتال مع الحاكم حتى ولو كان جائرا إذا خرج عليه من ينازعه في حكمه).([28])

ثم استدل بحديث (من جاءكم وأمركم جميع فاقتلوه) وحديث (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما).

ولم يجد ابن ريس لنقض هذا الإجماع إلا دليلا عقليا مبنيا على تأصيل فاسد وهو حرمة الخروج مطلقا، ولو من أئمة العدل مثل (الحسين) على طاغوت جاء به الاحتلال مثل (كرزاي)!

والرد على ابن ريس من وجوه:

أولا:هذه من الشبه عند ابن ريس والجماعات الوظيفية أصحاب الخطاب الديني المبدل، حيث يقيسون الطاغوت ومن يحكم به ومن جاء بهم الاحتلال على أئمة الجور من المسلمين بل ويساوونهم بالخلفاء الراشدين في القتال معهم مطلقا ولو بغير حق! وفي تجريم من خرج عليهم، فساووا بين القتال في سبيل الظالمين والقتال مع الخلفاء الراشدين!

ولذا تجدهم في دفاعهم عن الطاغوت كأنهم يدافعون عن الخلفاء الراشدين ونصرة الدين، وفي حقيقة الأمر هم يدورون في موالاتهم للطاغوت ونصرتهم له بين الكفر والفسوق،كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرسائل الشخصية في أمثالهم: (إن هؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوب الطاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام  كيف لا... وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويسعون في الأرض فسادا بقولهم، وفعلهم، وتأييدهم؟ ومن جادل عنهم أو أنكر على من كفَّرهم، أوزعم أن فعلهم هذا ولو كان باطلاً، فلا يخرجهم إلى الكفر فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق لأنه لا يصح دين الإسلام، إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم).([29])

وقد سئل الشيخ صالح آل الشيخ  وزير الأوقاف الحالي في المملكة العربية السعودية عن حكم ثوار الجزائر ضد الانقلاب العسكري سنة 1995م: (هل الثوار الذين في الجزائر يعتبرون من الخوارج؟ فقال: لا يعتبرون من الخوارج لأن دولتهم هناك دولة غير مسلمة، فليسوا من الخوارج ولا من البغاة، وإنما الكلام معهم في مسألة هل هذا فيه مصلحة أم لا).([30])

ثانيا: ليس كل من يرى حرمة الخروج على أئمة الجور من المسلمين ينزلهم منزلة أئمة العدل، ولا يعدون الخارجين عليه محاربين بمنزلة الخوارج –كما يعتقد ابن ريس وجماعته-ولا بغاة، قال ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري في أئمة الجور: (لا يجوز الخروج عليهم إذا استوطأ أمرهم وأمر الناس معهم...وكذلك لا يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم عن ظلم ظهر منهم).([31])

وفي كتاب العقد المنظم في الفقه المالكي:(من أخذ الأمر غلبة من غير مشورة،ودعا الناس إلى بيعته،وظهر منه الجور في الأموال والدماء وغير ذلك،إلا أن أمره قد استوطأ وملك وغلب،وأمن الناس معه الفتنة التي تذهب الدين والمال،وتوجب سفك الدماء،وتسلط عوام الناس وخواصهم بعضهم على بعض،وعلم أن السمع والطاعة له أبعد لسد الشر وذهاب النفوس،فقد وجبت طاعته فيما دعا إليه من الأحكام وأداء الزكاة إذا طلبها...إلا أنه لا يجب أن يقصد إلى قتال من قعد عن بيعته،ولا يجب على المسلمين نصره ولا سفك دمائهم دونه،إن قام قائم عليه بسبب جوره،وأقاموا عليهم إمامًا يدعون إليه).([32])

ويفرّق أهل السنة بين أئمة العدل وأئمة الجور في مسائل كثيرة، كدفع الزكاة، والولاية على المسلمين، والطاعة،والقتال معهم، ويفرقون بين الخارجين عليهم،فليسوا بمنزلة واحدة ولا حكم واحد، وقد بين ابن حجر خطأ الذين حصروا معاملة الخارجين معاملة أهل الردة أو البغاة، وذكر قسما ثالثا فقال: (من خرج في طلب الملك لا للدعاء إلى معتقده وهم على قسمين أيضا قسم خرجوا غضبا للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل حق ومنهم الحسن بن علي وأهل المدينة في الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج).([33])

فالخارج على أئمة الجور إن كان من أهل العدل والحق،أو كانت له مظلمة، فإنه لا يقاتل مع أئمة الجور والقتال معهم في هذه الحال هو من الركون للظالمين ومظاهرة المجرمين، فكيف إن كانوا من الطغاة والجبارين ويقتلون المستضعفين كما في أباطيل الخطاب الديني المبدل ومفتي الانقلابيين!

جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يهلك الناس هذا الحي من قريش قالوا فما تأمرنا قال لو أن الناس اعتزلوهم).([34]) قال الحافظ ابن حجر: (والمراد باعتزالهم أن لا يداخلوهم ولا يقاتلوا معهم ويفروا بدينهم من الفتن).([35])هذا في أئمة الجور من الخلفاء المسلمين فكيف بالطغاة المجرمين!

 وقد جاء هذا التحذير أيضا عن الخليفة الراشد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال ابن حجر: (وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث([36])عن رجل من بني نضر عن علي وذكر الخوارج فقال إن خالفوا إماما عدلا فقاتلوهم وإن خالفوا إماما جائرا فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالا).([37]) قال الحافظ: (على ذلك يحمل ما وقع للحسين بن علي ثم لأهل المدينة في الحرة ثم لعبد الله بن الزبير ثم للقراء الذين خرجوا على الحجاج في قصة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث والله أعلم).([38])

وقال ابن حجر: (فيه جواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل ومن نصب الحرب فقاتل على اعتقاد فاسد ومن خرج يقطع الطرق ويخيف السبيل ويسعى في الأرض بالفساد،وأما من خرج عن طاعة إمام جائر أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور ولا يحل قتاله، وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته).([39])

وقد بين إمام أهل السنة في زمانه الإمام مالك بن أنس بعض المسائل المترتبة على الفرق بين أئمة الجور المتغلبين وبين أئمة العدل الذين تختارهم الأمة عن عقد واختيار، وأن أئمة العدل الذين اختارتهم الأمة ورضيت بهم يدافع عنهم على من خرج عليهم؛وذلك لمنع مصادر حق الأمة والافتئات عليها في تغيير إمامها بلا رضاها، بخلاف أئمة الجور فإنهم يتركون ومصيرهم إن خرج عليهم مثلهم، فأما إن خرج عليهم عدل فيرى القتال معه.

قال ابن العربي المالكي: (قال علماؤنا في رواية سحنون: إنما يقاتل مع الإمام العدل سواء كان الأول أو الخارج عليه؛ فإن لم يكونا عدلين فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك أو مالك أو ظلم المسلمين فادفع ذلك. ولا تقاتل إلا مع إمام عادل يقدمه أهل الحق لأنفسهم).([40])

وبهذا أفتى الإمام مالك بالخروج مع محمد بن عبد الله ذو النفس الزكية، على أبي جعفر المنصور العباسي، وكان قد خرج في المدينة، فاستفتى أهلها مالك بن أنس في الخروج معه، مع أنهم سبق لهم أن بايعوا أبا جعفر المنصور، فقال مالك:(إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته.([41])

وروى ابن القاسم، عن مالك أيضا قال: (إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدفع عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره فدعه ينتقم الله من ظالم بمثله ثم ينتقم من كليهما.قال مالك: إذا بويع للإمام فقام عليه إخوانه قوتلوا إذا كان الأول عدلا، فأما هؤلاء فلا بيعة لهم إذا كان بويع لهم على الخوف).([42])

وقال ابن القاسم: (وقال مالك في الحرورية وما أشبههم: إنهم يقتلون إذا لم يتوبوا إذا كان الإمام عدلا، وهذا يدلك على أنهم إن خرجوا على إمام عدل يريدون قتاله ويدعون إلى ما هم عليه دعوا إلى الجماعة والسنة).([43])

وقد بين ابن حزم أصناف من يخرج على أئمة الجور والموقف منهم فقال: (فإن قام عليه أعدل منه وجب أن يقاتل مع القائم، لأنه تغيير منكر، وأما الجورة من غير قريش فلا يحل أن يقاتل مع أحد منهم، لأنهم كلهم أهل منكر).([44])

فهذا كلام أهل العلم في ترك القتال مع أئمة الجور من خلفاء المسلمين، فكيف بالطواغيت الذين نصبهم الاحتلال على بلاد المسلمين من اللادينيين والملاحدة ممن يدعون الإسلام والسنة ويسميهم ابن ريس وأصحاب الخطاب الديني المبدل بولاة الأمر!

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية خلاف العلماء في القتال مع أئمة الجور في القتال المشروع، أما القتال غير المشروع كقتال أهلا لعدل والحق وأصحاب المظالم فلا يجوز، فقال في قتال الخوارج: (وقد اتفقت الصحابة على قتالهم ولا خلاف بين علماء السنة أنهم يقاتلون مع أئمة العدل...لكن هل يقاتلون مع أئمة الجور فنقل عن مالك أنهم لا يقاتلون؟ وكذلك قال فيمن نقض العهد من أهل الذمة لا يقاتلون مع أئمة الجور ونقل عنه أنه قال ذلك في الكفار...ومذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وقالوا يغزى مع كل أمير برا كان أو فاجرا إذا كان الغزو الذي يفعله جائزا فإذا قاتل الكفار أو المرتدين أو ناقضي العهد أو الخوارج قتالا مشروعا قوتل معه وإن قاتل قتالا غير جائز لم يقاتل معه فيعاون على البر والتقوى ولا يعاون على الإثم والعدوان كما أن الرجل يسافر مع من يحج ويعتمر وإن كان في القافلة من هو ظالم فالظالم لا يجوز أن يعاون على الظلم لأن الله تعالى يقول وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وقال موسى رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين. وقال تعالى {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}وقال تعالى {ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} والشفيع المعين فكل من أعان شخصا على أمر فقد شفعه فيه فلا يجوز أن يعان أحد لا ولي أمر ولا غيره على ما حرمه الله ورسوله).([45])

فمن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أنه لا تجوز طاعة الظالمين ولو كان إمام المسلمين في قتال الخارجين عليه للأحاديث الكثيرة في النهي عن الطاعة في المعصية، وقد أوضح ابن تيمية أن طاعة أئمة الجور إنما تكون في طاعة الله وليس كطاعة أهل العدل فقال:(والإمام العدل تجب طاعته فيما لم يعلم أنه معصية وغير العدل تجب طاعته فيما علم أنه طاعة كالجهاد).([46])

وقال في طاعة الإمام العدل في قتال فيه مفسدة: (من رأى أن هذا القتال مفسدته أكثر من مصلحته: علم أنه قتال فتنة فلا تجب طاعة الإمام فيه إذ طاعته إنما تجب في ما لم يعلم المأمور أنه معصية بالنص، فمن علم أن هذا هو قتال الفتنة - الذي تركه خير من فعله - لم يجب عليه أن يعدل عن نص معين خاص إلى نص عام مطلق في طاعة أولي الأمر ولا سيما وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرد إلى الله والرسول).([47])

وقال:(الناس قد تنازعوا في ولي الأمر([48]) الفاسق والجاهل: هل يطاع فيما يأمر به من طاعة الله، وينفَّد حكمه وقسمه إذا وافق العدل؟ أو لا يطاع في شيء،ولا ينفذ شيء من حكمه وقسمه؟ أو يفرَّق في ذلك بين الإمام الأعظم وبين القاضي ونحوه من الفروع؟ على ثلاثة أقوال، أضعفها عند أهل السنة هو رد جميع أمره وحكمه وقسمه،وأصحها عند أهل الحديث وأئمة الفقهاء هو القول الأول، وهو أن يطاع في طاعة الله مطلقًا وينفذ حكمه وقسمه إذا كان فعله عدلاً مطلقًا).([49])

فقارن بين كلام هؤلاء الأئمة في طاعة أئمة الجور من المسلمين بالمعروف،وبين كلام ابن ريس ودعاة الخطاب الديني المبدل الذي يوجبون على الأمة الركون للظالمين ومناصرة المجرمين والقتال معا لطاغوت بحجة طاعة (ولي الأمر)وباسم السلفية وعقيدة أهل السنة!

ثالثا:نقل ابن ريس كلاما للدكتور حاكم من كتاب الفرقان قوله: (ولا خلاف بين الأئمة وسلف الأمة أنه إن كان الخارج عدلا كالحسين بن على وابن الزبير والإمام جائرا كيزيد أنه يحرم القتال مع أئمة الجائر).([50])

فقال ابن ريس: (هذه مبالغة من حاكم العبيسان، ولا يستغرب من مثله هذه الاندفاعات والحماسات والمبالغات).([51])وقال: (وسبب اندفاع حاكم العبيسان على حكاية هذا الإجماع أصله الفاسد في تقرير جواز خروج الأمة على الحاكم الجائر).([52])

لم يفهم ابن ريس ما قرره د. حاكم أو لايريد أن يفهم أوكليهما، كما فعل قبله د. حمد العثمان عندما استنكر هذا الكلام ونقل في معارضته كلام أهل العلم في الجهاد مع أئمة الجور،وهذا خارج محل الخلاف والبحث،فلم يستفد ابن ريس من خطأ زميله في تعقيبه،فكلام د. حاكم واضح وبيّن في أن السلف من الصحابة وأئمة أهل السنة من دعاة الخطاب الراشدي لا يرون مناصرة أئمة الجور في قتالهم لأهل العدل والحق والإصلاح، كيف وهم لا يقاتلون مع أهل العدل فيما لم يتبين لهم الحق فيه كما فعلوا في ترك القتال في معركة الجمل وجيش معاوية، فهذا ما كتبه الشيخ وهذا ما عناه، أما ما حدث بعد ذلك من انحراف في الفقه عند المتأخرين في العهد المؤول فلم ينكرهد. حاكم بخلاف ما حاول ابن ريس أن يدلسه! ولذا ترك ابن ريس ما هو واضح في كتاب الحرية وذهب لكتاب الفرقان محاولا التلبيس! وهذا نص ما كتبه د. حاكم في كتاب الحرية عن المتأخرين حيث قال: (وكان كثير من السلف يرون الكف عن القتال في الفتنة التي تقع بين المسلمين حتى وإن كان الإمام عادلاً،ومع ذلك كله خلط الفقهاء المتأخرون كما قال شيخ الإسلام- بين جميع هذه الأصناف، وجعلوا حكمها واحدا؛ اتباعًا لأهواء الملوك ومشايعة لهم ومسارعة في إرضائهم بتأويل النصوص وتحميلها ما لا تحتمل وتوظيفها لخدمة السلطة؟!).([53])وما ذكره د. حاكم هو كلام طويل لشيخ الإسلام ابن تيمية بيّن فيه اختلاط هذه المسألة عند المتأخرين بسبب تأثير الملوك على الفقه والفقهاء وهذا نص كلامه قال: (لما اعتقدت طوائف من الفقهاء وجوب القتال مع علي جعلوا ذلك "قاعدة فقهية" فيما إذا خرجت طائفة على الإمام بتأويل سائغ وهي عنده راسلهم الإمام، فإن ذكروا مظلمة أزالها عنهم وإن ذكروا شبهة بينها فإن رجعوا وإلا وجب قتالهم عليه وعلى المسلمين.ثم إنهم أدخلوا في هذه القاعدة "قتال الصديق لمانعي الزكاة" و "قتال علي للخوارج المارقين" وصاروا فيمن يتولى أمور المسلمين من الملوك والخلفاء وغيرهم يجعلون أهل العدل من اعتقدوه لذلك ثم يجعلون المقاتلين له بغاة لا يفرقون بين قتال الفتنة المنهي عنه والذي تركه خير من فعله كما يقع بين الملوك والخلفاء وغيرهم وأتباعهم: كاقتتال الأمين والمأمون وغيرهما؛ وبين قتال "الخوارج" الحرورية والمرتدة والمنافقين "كالمزدكية" ونحوهم. وهذا تجده في الأصل من رأي بعض فقهاء أهل الكوفة وأتباعهم ثم الشافعي وأصحابه ثم كثير من أصحاب أحمد الذين صنفوا باب قتال أهل البغي نسجوا على منوال أولئك تجدهم هكذا فإن الخرقي نسج على منوال المزني،والمزني نسج على منوال مختصر محمد بن الحسن وإن كان ذلك في بعض التبويب والترتيب. والمصنفون في الأحكام: يذكرون قتال البغاة والخوارج جميعا وليس عن النبي  صلى الله عليه وسلمفي "قتال البغاة" حديث إلا حديث كوثر بن حكيم عن نافع وهو موضوع. وأما كتب الحديث المصنفة مثل: صحيح البخاري والسنن فليس فيها إلا قتال أهل الردة والخوارج وهم أهل الأهواء وكذلك كتب السنة المنصوصة عن الإمام أحمد ونحوه. وكذلك - فيما أظن - كتب مالك وأصحابه ليس فيها باب قتال البغاة وإنما ذكروا أهل الردة وأهل الأهواء وهذا هو الأصل الثابت بكتاب الله وسنة رسوله وهو الفرق بين القتال لمن خرج عن الشريعة والسنة فهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. وأما القتال لمن لم يخرج إلا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمر بذلك فارتكب الأولون ثلاثة محاذير: - الأول: قتال من خرج عن طاعة ملك معين وإن كان قريبا منه ومثله - في السنة والشريعة- لوجود الافتراق والافتراق هو الفتنة. والثاني: التسوية بين هؤلاء وبين المرتدين عن بعض شرائع الإسلام.

والثالث: التسوية بين هؤلاء وبين قتال الخوارج المارقين من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؛ولهذا تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من أهواء الملوك وولاة الأمور ويأمرون بالقتال معهم لأعدائهم بناء على أنهم أهل العدل وأولئك البغاة؛ وهم في ذلك بمنزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم أو أئمة الكلام أو أئمة المشيخة على نظرائهم مدعين أن الحق معهم أو أنهم أرجح بهوى قد يكون فيه تأويل بتقصير لا بالاجتهاد وهذا كثير في علماء الأمة وعبادها وأمرائها وأجنادها وهو من البأس الذي لم يرفع من بينها؛  فنسأل الله العدل).([54])

وقد بين شيخ الإسلام في مواضع كثيرة هذا الخلط الذي يجعل من طاعة الإمام في قتال مخالفيه حقا دائما وإن كان عدلا فقال: (مدح الحسن وأثنى عليه بإصلاح الله به بين الطائفتين: أصحاب علي وأصحاب معاوية وهذا يبين أن ترك القتال كان أحسن وأنه لم يكن القتال واجبا ولا مستحبا. "وقتال الخوارج" قد ثبت عنه أنه أمر به وحض عليه فكيف يسوي بين ما أمر به وحض عليه وبين ما مدح تاركه وأثنى عليه؟ فمن سوى بين قتال الصحابة الذين اقتتلوا بالجمل وصفين وبين قتال ذي الخويصرة التميمي وأمثاله من الخوارج المارقين والحرورية المعتدين: كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل والظلم المبين. ولزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة والمعتزلة الذين يكفرون أو يفسقون المتقاتلين بالجمل وصفين كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين).([55])

كيف لو رأى شيخ الإسلام ابن تيمية مفتي العسكر في مصر علي جمعة ودعوة ابن ريس وأصحاب الخطاب الديني المبدل وسدنة الطغاة الذين ينزلون الطاغوت منزلة أئمة العدل، وينزلون أهل العدل والإصلاح منزلة الخوارج المارقين والحرورية المعتدين ويفتون بقتلهم وسحق جماجمهم!

ومن المسائل غير الداخلة في هذه الصورة التي ذكرها د. حاكم والتي لبّس فيها ابن ريس،مسألة الخروج بالسيف على الأمة نفسها واستباحتها، أو خروج أهل الجور والفساد على أمراء الجور مثلهم، أو إذا خرج عليهم من هو شر منهم،هذه صور خارجة عن البحث،والمسألة التي طرحها د. حاكم القتال مع أئمة الجور على من خرج عليهم من أهل الحق والعدل وهي من المسائل القديمة التي لا وجود لها اليوم،فادخل ابن ريس وسدنة الطغاة فيها مسألة خروج أهل الحق والعدل على الطاغوت والطوائف الممتنعة،فأوجبوا القتال مع الطاغوت كما رأيناهم في ساحات الثورة اليوم! والله يقول:{الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت}!

وأين هم من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته من أئمة الجور والأئمة المضلين وخوفه على أمته منهم بل حصر خوفه فيهم وهم ولاة المسلمين الظالمين،فكيف بالطغاة والجبارين الذين يحكمون بغير الإسلام!

فمن ذلك ما ذكره ابن حبان في صحيحه عند باب: (ذكر تخوف المصطفى  صلى الله عليه وسلمعلى أمته مجانبتهم الطريق المستقيم بانقيادهم للأئمة المضلين)، فكر حديث شداد بن أوس أن نبي الله  صلى الله عليه وسلمقال:(إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين).([56]) وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غير الدجال أخوف على أمتي من الدجال الأئمة المضلون).([57]) وحديث أبي محجن الثقفي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أخاف على أمتي من بعدي ثلاثا: حيف الأئمة...).([58]) وذكر الموصلي في كتابه إتحاف الخيرة حديث الأئمة المضلين في كتاب الإمارة.

وإنما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الأئمة المضلين وخاف منهم على أمته أكثر من الدجال، بل وحصر خوفه فيهم؛ لأن فسادهم فساد للأمة جميعا في دينها ودنياها كما يقال: (كما يولى عليكم تكونوا)،وفي البخاري قيل لأبي بكر رضي الله عنه: (بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية قال بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم قالت وما الأئمة قال أما كان لقومك رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم قالت بلى قال فهم أولئك على الناس).([59])

وقال عمر رضي الله عنه عند موته: (اعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم).([60])

و قال عمر رضي الله عنه أيضا عندما جيء بكنوز كسرى للمدينة: (إن قوما أدوا هذه لأمناء فقال علي رضي الله عنه يا أمير المؤمنين عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعوا).([61])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومعلوم أنه إذا استقام ولاة الأمور الذين يحكمون في النفوس والأموال استقام عامة الناس كما قال أبو بكر الصديق فيما رواه البخاري في صحيحه للمرأة الأحمسية لما سألته فقالت: "ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح"؟ قال: "ما استقامت لكم أئمتكم" وفي الأثر (صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء) أهل الكتاب وأهل الحديد كما دل عليه قوله: {لقد أرسلنا} الآية. وهم "أولو الأمر" في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. وكذلك من جهتهم يقع الفساد كما جاء في الحديث مرفوعا وعن جماعة من الصحابة {إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون} فالأئمة المضلون هم الأمراء).([62])وكما قال ابن المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها!

ومنما يروجه ابن ريس من تضليل وتلبيس قوله أن ما يصدر من الطاغوت من تعطيل لحكم الإسلام يحاسب عليه في الآخرة، أما في الدنيا فله السمع والطاعة، ويعاقب من رفض بيعتهم في الدنيا والآخرة! قال ابن ريس: (لا شك أن على ولي الأمر حقوقا يجب عليه أن يأتي بها، ومن لم يأت بها فهو آثم، لكن ليس معنى عدم قيام الراعي والحاكم بحقوقه أنه لا يسمع ولا يطاع له؛ لأنه غاية ما يقال أنه آثم. وقد دلت الأدلة وإجماع أهل السنة أن الحاكم الظالم الفاسق يجب السمع والطاعة له في غير معصية الله، ويجب أن يعتقد في الأعناق بيعة له).([63])

ومن حماسة ابن ريس في دعوته لطاعة الطاغوت أن ردّ أحاديث صحيحة صريحة تشترط السمع والطاعة لمن أقام كتاب الله وحكم بالإسلام،فحاول ابن ريس بحجج عقلية هزيلة ضعيفة أن يرد النصوص الصحيحة الصريحة فقال:(على فرض دلالة الحديث على عدم السمع والطاعة لمن لم يحكم كتاب الله؛ فإن دلالته على عدم طاعة من لم يحكم بكتاب الله دلالة مفهوم، وهذا المفهوم مخالف لمنطوقات كثيرة في السمع والطاعة للحاكم العاصي في غير معصية الله، والمنطوق عند التعارض مقدم على المفهوم عند أهل العلم.

والوجه الثاني: إن قوله: (ما قادكم بكتاب الله) قد يراد به ما جوزه شرع الله، ويقابله ما هو محرم مما لم يجوزه شرع الله؛ فلا يطاع الحاكم في معصية الله).([64])

فبهذه التأويلات الباطلة يحصن ابن ريس شرعية الطاغوت في تركه لأحكام الإسلام وإعراضه عنها، ومن تركه لشعائر الإسلام الظاهرة والباطنة ومن تجويزه للمحرمات المعلومة، فهو في كل هذا ولي أمر المسلمين واجب البيعة والسمع والطاعة، وإنما يحرم على المسلم أن يطيع ولي الأمر في الزنا مثلا ولا ينزع يدا من طاعة!

وقول ابن ريس (يجب السمع والطاعة له في غير معصية الله) هذا من تضليلهم أيضا في تبرير طاعة الطاغوت ومن جاء به الاحتلال،فهم في تبريرهم هذا كمن يقول نطيع الشياطين في غير معصية الله، لا فرق! وإلا فواجب المؤمن الكفر بالطاغوت بكل ما يستطيع {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}، {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}.

ادعاء ابن ريس الإجماع على وجوب طاعة الطاغوت في كل شيء عدا المعصية:

من مجازفات ابن ريس وأصحاب الخطاب الديني المبدل في نضالهم في شرعنة حكم الطاغوت ومن جاء بهم الاحتلال أن جعلوا طاعة الطاغوت مطلقة بكل ما يأمر به كطاعة أولي الأمر من المسلمين في ظل الخلافة ووحدة الأمة، وادعى إجماع أهل السنة على ذلك، والله يقول:{أفنجعل المسلمين كالمجرمين . ما لكم كيف تحكمون}!

قال ابن ريس في تقرير هذه المسألة: (كتب الاعتقاد ذكرت السمع والطاعة للحاكم، ولم تستثن إلا المعصية كما تقدم نقل كلامهم، فدل هذا على انه عام في كل ما ليس معصية، وهذا يعد إجماعا من أهل السنة).([65])

وقال: (تقدم بيان بطلان حصر المعروف فيما كان معروفا شرعا، أي في الواجبات والمستحبات وانه عام حتى في المباحات بدلالة الأدلة الشرعية وإجماع أهل السنة).([66])

وقال ابن ريس: (السمع والطاعة للحاكم مطلقا في غير معصية الله ولو كان فاسقا وظالما).([67])

وهذا من غلو ابن ريس وأصحاب الخطاب الديني المبدل في طاعة الطغاة بأن جعل طاعتهم مطلقة، وجعلها من المسائل المجمع عليها!

والطاعة جاءت مقيدة في المعروف حتى مع أئمة العدل، فلا يطاعون إلا في المعروف، أما في الأمور المشتبهات وما ذهبوا إليه من آراء، فليس للناس تقليدهم وطاعتهم؛ ولذا رفض كبار الصحابة طاعة علي رضي الله عنه في قتال معاوية، وكذلك اعترضوا عليه ولم يطيعوه في ما ذهب إليه من تأخير تنفيذ القصاص من قتلة عثمان.

وفي صحيح البخاري أن ابن مسعود قال:(لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمر ما دريت ما أرد عليه فقال أرأيت رجلا مؤديا نشيطا يخرج مع أمرائنا في المغازي فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها فقلت له والله ما أدري ما أقول لك إلا أنا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فعسى أن لا يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه).([68])

فلم يأمر ابن مسعود السائل بطاعة الأمير مطلقا فيما يأمر به، بل أمره بترك تقليده في الأمور المشتبهات وفي ما ليس بمعروف ولا فيه تقوى، قال ابن حجر: (لا يقدم المرء على ما يشك فيه حتى يسأل من عنده علم فيدله على ما فيه شفاؤه... الحاصل أن الرجل سأل ابن مسعود عن حكم طاعة الأمير فأجابه ابن مسعود بالوجوب بشرط أن يكون المأمور به موافقا لتقوى الله تعالى).([69])

وفي هذا يقول ابن القيم: (والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذ أمروا بمقتضى العلم فطاعتهم تبع لطاعة العلماء فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء).([70])

وقال أبو العباس القرطبي: (أن الأمراء شرطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراء رسول الله  صلى الله عليه وسلموحينئذ تجب طاعتهم. فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حرمت طاعتهم).([71])

ويقول العراقي: (شرط طاعة الأمراء أن يأمروا بما يقتضيه العلم وكذلك كان أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينئذ تجب طاعتهم فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حرمت طاعتهم).([72])

وقال الواحدي في تفسير آية الطاعة: (هم العلماء والفقهاء وقيل: الأمراء والسلاطين وتجب طاعتهم فيما وافق الحق).([73])

وأما طاعة أئمة الجور فمن المعلوم أن من أقر ولاية الجائر والظالم فإنه من باب الضرورة خلافا للأصل وهو أن يكون إمام المسلمين عدلا كما قال تعالى: {قال لا ينال عهدي الظالمين}. عن مجاهد قال: (لا يكون إمام ظالما).([74])

وقال القرطبي في شروط الإمام: (أن يكون عدلا، لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق).([75])

وقد جاءت أحاديث في النهي عن طاعة الظلمة كما في حديث عبادة بن الصامت قال:سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلميقول:(سيليكم أمراء بعدي يعرفونكم ما تنكرون و ينكرون عليكم ما تعرفون فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله)([76])وفي رواية (ستكون عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون ويعملون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة).([77])

وعن معاذ بن جبل قال: (يا رسول الله، أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمن لم يطع الله).([78])وحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا).([79])قال ابن الوزير: (فلم يوجب في هذا طاعتهم، بل حرم قتالهم فقط، وحكم بالنجاة لمن كره وأنكر).([80])

وقال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق وهو يقرر أصول الخطاب الراشدي من على المنبر:(أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم).([81])

وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رحمه الله إلى أهل الكوفة: (من ظلمه أميره فلا إمرة له عليه دوني. قال: فكان الرجل يأتي المغيرة بن شعبة فيقول: إما أن تنصفني من نفسك، وإلا فلا إمرة لك علي).([82])

وعن ابن سيرين قال: (كان عمر رضي الله عنه إذا استعمل رجلا كتب في عهده أن اسمعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم).([83])

وجاء عن أبي هريرة: (ويل للعرب من شر قد اقترب: إمارة الصبيان إن أطاعوهم أدخلوهم النار، وإن عصوهم ضربوا أعناقهم).([84])

ولذا من أقرّ إمامة الظالم وأئمة الجور للضرورة فإنه جعل طاعتهم فيما هي من طاعة الله وليست كطاعة أولي الأمر، بل إن بعض أهل العلم رفض طاعة أئمة الجور مطلقا، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الخلاف ورجح أن طاعة أئمة الجور تكون في طاعة الله كالجهاد والصلاة ونحو ذلك.

قال ابن تيمية:(الناس قد تنازعوا في ولي الأمر([85]) الفاسق والجاهل: هل يطاع فيما يأمر به من طاعة الله، وينفَّد حكمه وقسمه إذا وافق العدل؟ أو لا يطاع في شيء، ولا ينفذ شيء من حكمه وقسمه؟ أو يفرَّق في ذلك بين الإمام الأعظم وبين القاضي ونحوه من الفروع؟ على ثلاثة أقوال، أضعفها عند أهل السنة هو رد جميع أمره وحكمه وقسمه، وأصحها عند أهل الحديث وأئمة الفقهاء هو القول الأول، وهو أن يطاع في طاعة الله مطلقًا وينفذ حكمه وقسمه إذا كان فعله عدلاً مطلقًا حتى أن القاضي الجاهل والظالم ينفذ حكمه بالعدل وقسمه بالعدل على هذا القول كما هو قول أكثر الفقهاء).([86])

وقال في ذكر الخلاف في المسألة نفسها: (وللناس نزاع في تفاصيل تتعلق بهذه الجملة ليس هذا موضعها، مثل إنفاذ حكم الحاكم الفاسق إذا كان الحكم عدلا، ومثل الصلاة خلف الفاسق هل تعاد أم لا؟ والصواب الجامع في هذا الباب أن من حكم بعدل أو قسم بعدل نفذ حكمه وقسمه، ومن أمر بمعروف أو نهى عن منكر أعين على ذلك، إذا لم يكن في ذلك مفسدة راجحة، وأنه لا بد من إقامة الجمعة والجماعة، فإن أمكن تولية إمام بر لم يجز تولية فاجر ولا مبتدع يظهر بدعته، فإن هؤلاء يجب الإنكار عليهم بحسب الإمكان ولا يجوز توليتهم، فإن لم يمكن إلا تولية أحد رجلين كلاهما فيه بدعة وفجور، كان تولية أصلحهما ولاية هو الواجب. وإذا لم يمكن في الغزو إلا تأمير أحد رجلين: أحدهما فيه دين وضعف عن الجهاد، والآخر فيه منفعة في الجهاد مع ذنوب له، كان تولية هذا الذي ولايته أنفع للمسلمين، خيرا من تولية من ولايته أضر على المسلمين. وإذا لم يمكن صلاة الجمعة).([87])

وقال ابن تيمية: (والإمام العدل تجب طاعته فيما لم يعلم أنه معصية وغير العدل تجب طاعته فيما علم أنه طاعة كالجهاد).([88])

وقال الجصاص: (أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته).([89])

وقال أبو السعود في تفسير آية الطاعة في التفريق بين طاعة ولاة العدل وأمراء الجور: (وهم أمراء الحق وولاة العدل كالخلفاء الراشدين ومن يقتدى بهم من المهتدين، وأما أمراء الجور فبمعزل من استحقاق العطف على الله تعالى والرسول في وجوب الطاعة لهم).([90])

 وقال ابن خويز منداد: (وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان له فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية ; ولذلك قلنا:إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزوا).([91])

وقال الفخر الرازي في تفسيره: (وطاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا، وعندنا أن طاعة أهل الإجماع واجبة قطعا، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا، بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف، فكان حمل الآية على الإجماع أولى، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق).([92])

وقال الحليمي([93]): (الإمام العادل طاعته واجبة، ومخالفته حرام، والثبات على عهده وعقده فرض، وأما الجائر فمن قال: إن الفسق لا يناقض الإمامة احتج بظواهر هذه الأخبار، وقال: إنها نطقت بإيجاب الطاعة للعادل والجائر، وبسط الكلام فيه. ومن قال: إن الفسق يناقض الإمامة، قال: إن ذكر الإمام الجائر منفردا عن الإمام العادل ليس إلا أن الجائر إمام في صورة أمره، وظاهر حاله دون إثبات أن يكون إماما بالإطلاق كالعادل، وعرفنا أن مفارقته ونبذ طاعته - إذا كانت لا تكون إلا بنقض الجماعة - وجبت طاعته، وفي ذلك دليل على أن مفارقته إذا أمكنت بغير نقض الجماعة وجبت مفارقته).([94])وقال القرافي في مسألة إقامة الحدود: (وعليك طاعة الإمام العادل العارف بالسنة في القتل والحدود وإن لم تعلم ذلك إلا من قوله كقوله تعالى {وأولي الأمر منكم} دون الجائز لقوله صلى الله عليه وسلم: (أطيعوهم ما أطاعوا الله فيكم) إلا أن تعلم صحة ذلك وعدالة البينة).([95])

وقال ابن عاشور في تفسيره: (نقل ابن عرفة عن المازري والقرطبي عن الجمهور إذا عقد للإمام على وجه صحيح ثم فسق وجار فإن كان فسقه بكفر وجب خلعه وأما بغيره من المعاصي فقال الخوارج والمعتزلة وبعض أهل السنة يخلع وقال جمهور أهل السنة لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة).([96])

وقال العز بن عبد السلام في بيان الفرق بين ما يترتب على سلطة الإمام العدل التي هي الأصل وأئمة الجور التي هي للضرورة : (تصحيح ولاية الفاسق مفسدة، لما يغلب عليه من الخيانة في الولاية، لكنا صححناها في حق الإمام الفاسق والحاكم الفاسق؛ لما في إبطال ولايتهما من تفويت المصالح العامة،ونحن لا ننفذ من تصرفاتهم إلا ما ينفذ من تصرف الأئمة المقسطين والحكام العادلين، فلا نبطل تصرفه في المصالح لأجل تصرفه في المفاسد، إذ لا يترك الحق المقدور عليه لأجل الباطل، والذي أراه في ذلك أنا نصحح تصرفهم الموافق للحق مع عدم ولايتهم لضرورة الرعية، كما نصحح تصرفات إمام البغاة مع عدم أمانته؛ لأن ما ثبت للضرورة تقدر بقدرها، والضرورة في خصوص تصرفاته، فلا نحكم بصحة الولاية فيما عدا ذلك،بخلاف الإمام العادل فإن ولايته قائمة في كل ما هو مفوض إلى الأئمة).([97])

فهذا كلام الأئمة والعلماء في طاعة أئمة الجور في ظل الخلافة وحكم الإسلام، وأما ما يدعو له ابن ريس وأصحاب الخطاب الديني المبدل من طاعة الطاغوت ومن جاء بهم الاحتلال فخارج محل البحث!

ومن أباطيل ابن ريس والجماعات الوظيفية التي يروجونها للطاعة المطلقة للطغاة ولمنجاء بهم الاحتلال، أنه مهما ظلموا الناس وصادروا حقوقهم وعذبوهم وسجنوهم،فإنه لا يجوز الاعتراض عليهم ولا المطالبة بمحاسبتهم، بل الواجب الصبر والدعاء لهم، وأن يحفظ لهم قدرهم واحترامهم! وجعلوا هذا الدين المزيف أصلا من أصول أهل السنة والجماعة المجمع عليها، ومن خالفهم في ذلك بدّعوه!

فأكّد ابن ريس على هذا الأصل في حفظ حق الحاكم ما دام أنه يدعي الإسلام، ولو حكم بالطاغوت، وجاء مع الاحتلال، فإنه لا يعترض عليه بعدوانه وطغيانه بنهب الأموال وضرب الظهور، وليس للأمة إلا الصبر والتسليم له مع توقيره واحترامه! فقال:(الصبر على جور الحاكم، مما أجمع عليه أهل السنة، والصبر على جلده وأخذه للمال بغير حق).([98])وقال:(الحاكم والسلطان يسمع ويطاع له في غير معصية الله، وإذا إذا أمر بمعصية الله فلا تجوز طاعته في هذه المعصية، ويحفظ مقداره ومنزلته، ولا يجوز الخروج عليه ولا ننزعه بما أنه مسلم ولو فسق وظلم، بل يصبر على أذاه وظلمه).([99])وعدّ من يخالفه في هذا الفهم السقيم من أهل البدع فقال: (لما ضاق أهل البدع ذرعا لأجل صراحة وكثرة نصوص السمع والطاعة، والصبر على جور الحاكم أصبحوا في أمر مريج تجاهها).([100])

ولم ينس ابن ريس مع ذكره لهذه العقيدة المزيفة التي يروجها في ظل تداعي أمم الصليب وتسلط الغزاة والطغاة على المسلمين أن يبين حكم الإسلام – بزعمه-في الدعوة للحرية والتحرير من الغزاة والطغاة والثورات عليهم أولمحاسبتهم والمطالبة بالحقوق تحت اسم الديمقراطية والحرية فقال: (لا تقر الدولة المسلمة الديمقراطية؛ لأنها مخالفة للشريعة، ولا تقر الدولة المسلمة الخروج على حكام المسلمين والثورة عليهم).([101])

وقال ابن ريس في دفاعه عن الطغاة ومن جاء بهم الاحتلال في رده على د. حاكم في دعوته للحرية من الاحتلال الخارجي والطغيان الداخلي: (فهو يتكلم عن حرية شيطانية، ويزعم أن الشريعة جاءت بها، وأنى لشريعة الرحمن أن تأتي بما يوسوس به الشيطان. ففي كلامه هذا أمور عدة: الأمر الأول: أنه بمقتضى الحرية الحقة – في زعم الدكتور- إذا عرف السلطان من يريد الانقلاب على الحكم والمكيدة له، ولو كانوا جماعة فإنه يتركهم).([102])

فدعاة الخطاب الديني المبدل يدعون الأمة للتسليم المطلق أمام الطغاة ومن جاء بهم الاحتلال، وللتسليم التام أمام نهب الثروات والأموال، والله يقول مخاطبا الأمة {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما}، ولا أعظم سفاهة من هؤلاء الطغاة الذين أعرضوا عن حكم الله ورسوله وعن ملة إبراهيم، ووالوا أعداء الأمة، وناصروهم بأموال الأمة المنهوبة:{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}!

وأي صد عن سبيل الله والدخول في الإسلام أعظم من ترويج مثل هذه العقيدة المزيفة على الأمم التي تنشد العدل والحق والتي لا ترضى بظلم الملوك، كيف وهم الذين ثاروا على طغاتهم وتحرروا منهذا الظلم وهذا الطغيان الذي يبشر به ابن ريس! وقد قال عمرو بن العاص عندما سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) فقال عمرو مبينا الخصال الحميدة عند الروم: (وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك).([103])

وقد استدلوا على باطلهم هذا بما روي عن حذيفة في زيادة (وإن جلد ظهرك وأخذ مالك)، وعندما وجه د.حاكم في كتاب (الحرية أو الطوفان) الحديث وهذه الزيادة – على فرض صحتها - على وفق ما جاء في الكتاب والسنة وقواعد الشريعة، قال ابن ريس غاضبا ومعترضا: (هذا من الدكتور استنكار لمعنى الحديث مع أنه مجمع على معناه عند أهل السنة... فما أغربه؟!.. يرد الشرع المنزل الذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والإجماع، وقرره العلماء في كتب العقائد، باسم الغيرة على الشرع المنزل بدون برهان إلا الحماسة، وتسويد الورق بكلام كثير باطل، وعن الأدلة الشرعية عاطل).([104])

وقال:(الصبر على جور الحاكم، مما أجمع عليه أهل السنة، والصبر على جلده وأخذه للمال بغير حق).([105])

فابن ريس يعدّ طاعة الطاغوت ومن جاء بهم الاحتلال واجبة ولو نهبوا ثروات الأمة واستباحوا دماءها، ومن يخالف ذلك – بزعمه -فقد خالف الشرع المنـزل والإجماع وعقيدة أهل السنة، وسلك سبيل البدعة! فما أجرأه؟!

أما ادعاؤه الإجماع على ما ذهب إليه من معنى باطل للحديث فيقال له:

أين غابت هذه العقيدة وهذا الإجماع عن علماء الصحابة وكبرائهم كعائشة والزبير وطلحة عندما لم يطيعوا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب واعترضوا عليه؟

وأين هذه العقيدة وهذا الإجماع من الحسين سيد شباب الجنة ومن معه من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرجوا على يزيد بن معاوية؟

وأين هذه العقيدة وهذا الإجماع من الصحابة وأبنائهم وأئمة الإسلام الذين خرجوا على أئمة الجور في المدينة ومكة والعراق؟

فإن كانت هذه العقيدة محدثة بعدهم فيقال له كما قال الإمام مالك: (ما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا).([106])

وأين ابن ريس من الأحاديث التي أمرت بالتصدي لأئمة الجور،وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر،وعدم التسليم لظلمهم مثل حديث أبي سعيد الخدري قال:(خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو الفطر فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت فإذا مروان يريد أن يرقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له غيرتم والله فقال أبا سعيد قد ذهب ما تعلم فقلت ما أعلم والله خير مما لا أعلم).([107])

وعن طارق بن شهاب قال: خطب مروان ــــ والي المدينة ــــ قبل الصلاة في يوم العيدفقام رجل فقال إنما كانت الصلاة قبل الخطبة فقال ترك ذلك يا أبا فلان فقام أبو سعيد الخدري فقال أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).([108])قال الإمام الغزالي معلقا على هذا الحديث: (فلقد كانوا فهموا من هذه العمومات دخول السلاطين تحتها).([109])

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على ما في هذه البيعة من الصدع بالحق أمام أمراء الجور فقال كما في حديث عبادة بن الصامت قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يقول بالحق إذا علمه، ألا وأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).([110])

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أمراء الجور يأتون بعده وأوصى بالتصدي لهم وعدّ ذلك من الجهاد ومن مراتب الإيمان فقال كما في حديث عبد الله بن مسعود: (سيكون أمراء من بعدي يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن لا إيمان بعده).([111]) قال ابن رجب الحنبلي عن هذا الحديث: (وهذا يدل على جهاد الأمراءِ باليد).([112])

ثم إن التسليم للحاكم في الظلم البين في اعتدائه بغير حق على الأنفس وأخذه للأموال إعانة للظالم على الإثم والعدوان والله يقول: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.

وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله: (أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال: فلا تعطه مالك. قال أرأيت إن قاتلني قال: قاتله. قال أرأيت إن قتلني قال: فأنت شهيد. قال أرأيت إن قتلته قال: هو في النار).([113])

وفي كتاب أبي بكر الصديق لأهل البحرين في الزكاة بين المقدار والواجب وعدم طاعة السلطة في تجاوزها فوق الحق الواجب فقال: (هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط).([114]) قال ابن حجر: (قوله ومن سئل فوقها فلا يعط أي من سئل زائدا على ذلك في سن أو عدد فله المنع ونقل الرافعي الاتفاق على ترجيحه).([115])وقال الخطابي: (وقوله من سئل فوقها فلا يعطه يتأول على وجهين أحدهما أن لا يعطى الزيادة والآخر أن لا يعطى شيئا من الصدقة لأنه إذا طلب ما فوق الواجب كان خائنا وإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته).([116])

وفي الحديث قال:(من أدى الزكاة فتعدى عليه الحق فأخذ سلاحه فقاتل فقتل فهو شهيد).([117])

ومما جاء عن الصحابة في إبطال ما يقرره ابن ريس وسدنة الطغاة لهذا المعنى الباطل من التسليم المطلق للسلطة في الظلم وأخذ الأموال بالباطل، والضرب بغير حق، ما جاءأن معاوية وهو خليفة المسلمين عندما أراد أن يتعدى على أرض لعبد الله بن عمرو، فأمر عبد الله بن عمرو مواليه، فلبسوا آلتهم، وأرادوا قتال عنبسة والي معاوية على الطائف، وأصل الحديث في صحيح مسلم قال: (لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسروا للقتال، فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو فوعظه خالد، فقال عبد الله بن عمرو: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قتل دون ماله فهو شهيد).([118])

وقد بوب البيهقي لهذا الحديث في سننه (باب ما جاء في منع الرجل نفسه وحريمه وماله).([119])

قال ابن الجوزي: (ظاهر هذه الخصومة أنها كانت على شيء من المال وقد روينا أن معاوية أراد أن يأخذ أرضا لعبد الله وتيسروا تهيؤوا للقتال وإنما جعل المقتول على المدافعة عن ماله شهيدا لأنه مأذون له في المدافعة عن ماله فإذا قتل كان مظلوما).([120])

وقال أبو محمد ابن حزم: فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص بقية الصحابة وبحضرة سائرهم يريد قتال عنبسة بن أبي سفيان عامل أخيه معاوية أمير المؤمنين إذ أمره بقبض "الوهط" ورأى عبد الله بن عمرو أن أخذه منه غير واجب، وما كان معاوية ليأخذ ظلما صراحا، لكن أراد ذلك بوجه تأوله بلا شك، ورأى عبد الله بن عمرو أن ذلك ليس بحق، ولبس السلاح للقتال، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة وهكذا جاء عن أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان، وأصحابهم: أن الخارجة على الإمام إذا خرجت سئلوا عن خروجهم؟ فإن ذكروا مظلمة ظلموها أنصفوا، وإلا دعوا إلى الفيئة، فإن فاءوا فلا شيء عليهم، وإن أبوا قوتلوا، ولا نرى هذا إلا قول مالك أيضا. فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن نرد ما اختلفوا فيه إلى ما افترض الله تعالى علينا الرد إليه، إذ يقول تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}. ففعلنا: فلم نجد الله تعالى فرق في قتال الفئة الباغية على الأخرى بين سلطان وغيره، بل أمر تعالى بقتال من بغى على أخيه المسلم - عموما - حتى يفيء إلى أمر الله تعالى: {وما كان ربك نسيا} وكذلك قوله عليه السلام: "من قتل دون ماله فهو شهيد" أيضا - عموم - لم يخص معه سلطانا من غيره، ولا فرق في قرآن، ولا حديث، ولا إجماع ولا قياس: بين من أريد ماله، أو أريد دمه، أو أريد فرج امرأته، أو أريد ذلك من جميع المسلمين. وفي الإطلاق على هذا هلاك الدين وأهله، وهذا لا يحل بلا خلاف).([121])

ومن الذين احتجوا بحديث القتال دون المال حتى في وجه السلطة سعيد بن زيد أحد المبشرين بالجنة: (عن طلحة بن عبد الله بن عوف – قاضي المدينة زمن يزيد- قال: أتتني أروى بنت أويس فقالت: إن سعيد بن زيد قد انتقص من أرضي إلى أرضه ما ليس له، وقد أحببت أن تأتوه فتكلموه، قال: فركبنا إليه وهو بأرضه بالعقيق، فلما رآنا قال: قد عرفت الذي جاء بكم، وسأحدثكم ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قتل دون ماله، فهو شهيد).([122])

ومن مواقف الصحابة في دفع ظلم السلطة عنهم ولو بالقتال: (كان بين الحسين بن علي، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان منازعة في مال كان بينهما بذي المروة.قال:فكان الوليد تحامل على الحسين بن علي في حقه لسلطانه. فقال له الحسين: أقسم بالله لتنصفن لي من حقي، أو لآخذن  سيفي، ثم لأقومن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلمثم  لأدعون بحلف الفضول ؟  فقال عبد الله بن الزبير - وهو عند الوليد حين قال الحسين  ما قال -: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه  حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. فبلغت المسور بن مخرمة فقال: مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ الوليد بن عتبة  أنصف حسينا من حقه).([123])

ومن الأمثلة أيضا قال إبراهيم بن محمد بن طلحة:( أن معاوية عزم على أن يحج ويقبض مالا لابن الزبير، فخرج بمن خف معه فبلغني، فخرجت إليه، فرأيت خيلا مربوطة وآلة من آلة الحرب، فقلت له: تريد أن تقاتل؟ قال: إي، والذي لا إله إلا هو، إن أبي حدثني أنه سمع رسول اللهصلى الله عليه وسلميقول: من قتل دون ماله فهو شهيد).([124])

فقارن بين هذه النصوص وأفعال الصحابة مع جور أمراء الإسلام، وبين عقيدة ابن ريس التي يبشر بها في معاملة الطغاة وبمن جاء بهم الاحتلال، ويبدع من خالفها!

وأما الاحتجاج لما ذهب إليه بزيادة (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) فيقال: إن هذه الزيادة ضعيفة،فقد ضعفها الدار قطني والشيخ مقبل الوادعي وغيرهم، وعلى فرض صحتها، فإن الحديث يحمل على معانٍ صحيحة غير ما ذهب له ابن ريس وأصحاب الخطاب الديني المبدل، فيقال في هذه المعاني:

أولا:أن المراد ضرب الظهر بالحد وأخذ المال بالحق، وليس بالظلم والبغي البين؛ و يدل على هذا المعنى ما روي: (اسمع وأطع في عسرك ويسرك ومكرهك وأثرة عليك وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إلا أن تكون معصية لله بواحا).([125])،فالاستسلام للسلطة في أخذ المال وضرب الظهر بغير حق والظلم، ينافي المقصد الذي جاء به الإسلام لإقامة القسط والعدل، قال ابن حزم:(أما أمره  صلى الله عليه وسلمبالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق، وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له وإن امتنع من ذلك، بل من ضرب رقبته إن وجب عليه فهو فاسق عاص لله تعالى، وأما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك).([126])

وقال أبو العباس القرطبي: (ويحتمل أن يكون ذلك خطابا لمن يفعل به ذلك بتأويل يسوغ للأمير بوجه يظهر له، ولا يظهر ذلك للمفعول به. وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث، ويصح الجمع).([127])

فالمقصد من الحديث هو الحث على الالتزام للسلطة والإمارة العامة في تطبيق أحكام الإسلام، وان هذه الطاعة ليست خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم بل للخلفاء والأمراء من بعده،فأوصى بالطاعة وعدم الأنفة والخروج عن الطاعة والجماعة؛ وهذا كله من باب ترسيخ المعاني الجديدة في طاعة السلطة والتي لم تعهد في جزيرة العرب من قبل، وخاصة عند أهل الحجاز، كما قال الإمام الشافعي:(من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة، وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضا طاعة الإمارة؛ فلما دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلمبالطاعة، لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله  صلى الله عليه وسلمفأمروا أن يطيعوا أولي الأمر الذين أمرهم رسول الله  صلى الله عليه وسلملا طاعة مطلقة، بل طاعة يستثنى فيها لهم وعليهم).([128]) وقال ابن التين:(كانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال هذا القول يحثهم على طاعة من يؤمرهم عليهم والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا وإذا ولاهم البلاد فلا يخرجوا عليهم لئلا تفترق الكلمة).([129])

وبين ابن تيمية عن اسباب أحاديث السمع والطاعة والبيعة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (نهى عن نفس الخروج عن الطاعة والجماعة وبين أنه إن مات ولا طاعة عليه لإمام مات ميتة جاهلية؛فإن أهل الجاهلية من العرب ونحوهم لم يكونوا يطيعون أميرا عاما على ما هو معروف من سيرتهم).([130])

ومثل هذا ما ورد عن عمر في قوله لسويد بن غفلة:(يا أبا أمية، إني لا أدري لعلي لا ألقاك بعد عامي هذا، فاسمع وأطع وإن أمر عليك عبد حبشي مجدع، إن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن أراد أمرا ينتقص دينك فقل: سمع وطاعة، دمي دون ديني، فلا تفارق الجماعة).([131])فسويد بن غفلة ولد في عام الفيل فهو ممن أدرك الجاهلية؛ ولذا فعمر يحثه على الالتزام بهذا الأصل العظيم في النظام السياسي الإسلام يفي طاعة السلطة مهما أقيم عليه الحد أو أثر عليه بمنصب أو مكانة، وأن يلتزم بالجماعة ولا يفارقها فهي صاحبة الحق في إبقاء السلطة وفي عزلها، وإلا فلا يتصور من الخليفة الراشد عمر أن يحث الناس على التعاون على الظلم والعدوان، وهو رمز العدل للناس المسلمين وغير المسلمين، كيف وهو الذي كان يحذر الأمة من طاعة الظالمين، فكان إذا استعمل رجلا كتب في عهده: (اسمعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم).([132])وقد عاقب عمر رضي الله عنه أمير مصر عمر بن العاص وابنه بسبب ظلم ابنه للقبطي وضربه له بغير حق، وقال عمر كلمته الخالدة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).([133])، وقد سأل عمر رضي الله عنه أهل العراق عن الأمير إذا جار عليهم،فقالوا:نصبر على جوره! فقال عمر:لا والله لا تكونون شهود الله في أرضه حتى تأخذوهم كما يأخذونكم،وتضربونهم كما يضربونكم)!([134])

وقد كان عمر يعلم الناس رفض الظلم ولو كان من السلطة فكان يكتب إلى الأمصار: (من ظلمه أميره فلا إمرة له عليه دوني. قال: فكان الرجل يأتي المغيرة بن شعبة فيقول: إما أن تنصفني من نفسك، وإلا فلا إمرة لك علي).([135])،أما قول ابن ريس في تعليقه على هذا الأثر (هذه سياسة رآها الفاروق عمر وهي من حقه، فإن الإمارة الخاصة تبع للإمارة العامة، وللأمير العام حق في عزل الأمير الخاص أو التضييق حدود إمارته، وليست هذه السياسة –على فرض التسليم بها - ملزمة لكل أمير عام، بل هي ترجع لما يراه الأمير العام مصلحة، والله حسيبه).([136])

هكذا يسمي ابن ريس العدل الذي جاء به الإسلام وطبق في العهد الراشدي سياسة!

فيقال في الرد على هذا الكلام المتناقض: أحاديث السمع والطاعة جاءت في الأمراء الخاصين كأمراء الجيش ونحوهم، وقد فسر قوله تعالى {وأولي الأمر منكم} بسرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف تفصل هذا عن هذا؟ ثم كيف لعمر الفاروق أن يقرر عقيدة الخوارج والحركيين على الأمة؟ وهل للأمير العام أن يقرر البدع ومنهج الخوارج بزعمكم كالمظاهرات ومحاسبة السلطة ويطاع في ذلك؟

ثانيا:المراد بالحديث التمسك بالجماعة والخلافة وبإمام المسلمين في وقت الفتن والاختلاف، ولو وصل الأمر إلى أن يضرب ظهرك ويأخذ مالك،فهو خير لك من اتباع أهل الفتن؛ ويدل على هذا ما جاء في الحديث عن حذيفة في الفتن: (ثم تكون دعاة الضلالة، فإن رأيت يومئذ خليفة الله في الأرض فالزمه، وإن نهك جسمك وأخذ مالك، فإن لم تره فاهرب في الأرض، ولو أن تموت وأنت عاض بجذل شجرة).([137])

ثالثا:وقيل المراد الحث على التزام الجماعة والخلافة حتى وإن ضُرب ظهرك وأُخذ المال،ببناء الفعل على المجهول كما في أحد الروايات، فيكون الفاعل غير الأمير، قال ملا قارئ في شرحه للحديث: (وإن ضُرب ظهرك بصيغة المجهول أي ولو ضُربت وأُخذ مالك).([138])

رابعا:قيل إن هذا الحديث منسوخ بأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ابن حزم:(قال عليه السلام لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده، فكان ظاهر هذه الأخبار معارضا للآخر، فصح أن إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى لا يمكن غير ذلك، فوجب النظر في أيهما هو الناسخ فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهي عن القتال موافقة لمعهود الأصل، ولما كانت الحال فيه في أول الإسلام بلا شك وكانت هذه الأحاديث الأخر واردة بشريعة زائدة وهي القتال هذا ما لا شك فيه فقد صح نسخ متن تلك الأحاديث ورفع حكمها حين نطقه عليه السلام بهذه الأخر بلا شك، فمن المحال المحرم أن يؤخذ بالمنسوخ ويترك الناسخ وأن يؤخذ الشك ويترك اليقين، ومن ادعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة فقد ادعى الباطل وقفا ما لا علم له به فقال على الله ما لم يعلم ).([139])

هذه بعض توجيهات أهل العلم لهذا الحديث، أما المعنى الذي يقرره ابن ريس ويدعي الإجماع عليه فلو كان معروفا لاحتجبه الصحابة على الذين حملوا السلاح للدفاع عن أموالهم وحقوقهم في وجه السلطة كما مر معنا.

ومهما يكن فلن يجد ابن ريس ودعاة الخطاب الديني المبدل من يؤيدهم على طاعة الطاغوت والغزاة ومن جاء بهم الاحتلال!

ومما يظهر تعالم وجهل ابن ريس بكلام أهل العلم؛ احتجاجه بكلام ابن المنذر على الإجماع باستثناء السلطان في المدافعة عن المال والنفس والأهل!

فقال ابن ريس: (هذا من الدكتور استنكار لمعنى الحديث مع أنه مجمع على معناه عند أهل السنة، بل وذكر الإجماع عليه ابن المنذر أيضا).([140]) وقال عن كلام ابن المنذر: (نقله ابن حجر وأقره).([141])

وليس في كلام ابن المنذر دليل لابن ريس بل هو عليه! فضلا على أن يكون فيه إجماع يحتج به، كما يزعم ابن ريس؛ ولذا احتج د. حاكم في كتابه (الحرية أو الطوفان) بكلام ابن المنذر نفسه على مدافعة الظالم فقال: (قال ابن المنذر الذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير  تفصيل...).([142])

 وهذا نص كلام ابن المنذر الذي يستدل به ابن ريس، قال: (يقول عامة أهل العلم إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله، إذا أريد ظلما، للأخبار التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تخص وقتاً دون وقت، ولا حالاً دون حال).([143])فابن المنذر نقل مذاهب العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة الفقه وعامة أهل العلم، على المقاتلة دون النفس والمال والأهل دون تفصيل،فلم يستثنوا حالا دون حال، ولم يختصوا سلطانا ولا غيره. ثم ذكر ابن المنذر قول أهل الحديث الذين استثنوا حالة معينة، وخالفوا قول عامة أهل العلم،وهي إن كانت المقاتلة ضد السلطان وترتب عليها الخروج فمنعوا، وإن لم يترتب على هذه المقاتلة الخروج لم يمنعوا، وفصل الأوزاعي في هذا الاستثناء بحسب الزمان، فإن كان زمن اجتماع الأمة واتفاقها على إمام واحد فيقاتل، وإن كان زمن فرقة وبلا إمام فلا يقاتل، فقال ابن المنذر ما نصه: (إلا السلطان، فإن جماعة أهل الحديث كالمجمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته: أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه.للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم، وترك قتالهم، والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة).([144]) فابن المنذر نقل كلام عامة أهل العلم على عدم التفصيل، ثم نقل كلام أهل الحديث كعادته في كتابه في نقل أقوالهم وإن كانت ضعيفة، فليس هذا من باب الاحتجاج بقولهم ولا هو دليل قوته، فابن المنذر يفرق بين أهل العلم وهم الفقهاء وأهل الفتوى فنقل إجماع عامتهم على عدم التفصيل بقوله (الذي عليه عامة أهل العلم ..)، ثم ذكر قول أهل الحديث الذين لا يعدهم ابن المنذر من أهل العلم والفتوى آنذاك بل هم رواة أخبار فقط ([145])، وله أمثلة في مثل هذه النقول من ذلك ما ذكره في كتابه الإشراف في مسألة الاحتباء في خطبة الجمعة، فذكر أقوال عامة أهل العلم وذكر قول أهل الحديث مقابلهم قال: (روينا عن ابن عمر أنه كان يحتبي والإمام يخطب يوم الجمعة، وممن فعل ذلك ولم ير به بأسا، سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وابن سيرين، وابن الزبير، وعكرمة بن خالد، وشريح، وسالم بن عبد الله، ونافع، ومالك بن أنس، والثوري، والأوزاعي، الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس، وبه قال إسحاق. وكره ذلك بعض أهل الحديث، لحديث روي فيه عن النبي عليه السلام في إسناده مقال).([146])

ومن الأمثلة أيضا قوله عند مسألة حكم أموال الخوارج،فنذكر أقوال أهل العلم ثم قال: (وفيه قول ثان وهو أن أموالهم تغنم- يعني الخوارج- هذا قول طائفة من أهل الحديث، ولا أعلم أحداً وافقهم على هذه المقالة. واحتج قائله بأخبار رويناها عن النبي  صلى الله عليه وسلم في أمر الخوارج).([147])

أما قول ابن ريس أن ابن حجر نقل كلام ابن المنذر وأقره فصحيح، فابن حجر أيدّ ابن المنذر فيما نقله عن أهل العلم في المقاتلة من غير تفصيل وفي كل حال، أما ماجاء عن أهل الحديث، فرد عليهم بعموم حديث المقاتلة وأيد ابن المنذر،قال ابن حجر: (ويرد عليه ما وقع في حديث أبي هريرة عند مسلم بلفظ أرأيت أن جاء رجل يريد أخذ مالي قال فلا تعطه قال أرأيت أن قاتلني قال فاقتله).([148]) وهذا فيه تأييد لابن المنذر بعدم التفصيل فيما نقله عن أهل العلم، وهذا ما فهمه الصنعاني حيث قال: (إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيامة عليه وفرق الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام فحمل الحديث عليها وأما في حال الخلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل أحدا قلت ويؤيد ما قاله ابن المنذر عن أهل العلم ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة...).([149])

وقد رد ابن حزم على هذا التفريق المنسوب لأهل الحديث فقال: (وقد ادعى قوم أن هذه الآية وهذه الأحاديث في اللصوص دون السلطان، وهذا باطل متيقن لأنه قول بلا برهان وما يعجز مدع أن يدعي في تلك الأحاديث أنها في قوم دون قوم وفي زمان دون زمان والدعوى دون برهان لا تصح وتخصيص النصوص بالدعوى لا يجوز لأنه قول على الله تعالى بلا علم وقد جاء عن رسول الله  صلى الله عليه وسلمأن سائلا سأله عن من طلب ماله بغير حق فقال عليه السلام لا تعطه قال فإن قاتلني قال قاتله).([150])

فأين الإجماع الذي يدعيه ابن ريس!

ثم يسأل ابن ريس وطائفته الذين يطالبون الأمة بالتسليم للطغاة في تعديهم على الأنفس والأموال وعدم المدافعة، هذا السؤال: (ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره والنصارى جنده، وألزم المسلمين الجزية وحمل السيف على أطفال المسلمين وأباح المسلمات للزنا وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين، وملك نساءهم وأطفالهم وأعلن العبث بهم وهو في كل ذلك مقر بالإسلام معلنا به لا يدع الصلاة، فإن قالوا لا يجوز القيام عليه،قيل لهم أنه لا يدع مسلما إلا قتله جملة، وهذا إن ترك أوجب ضرورة إلا يبقى إلا هو وحده وأهل الكفر معه، فإن أجازوا الصبر على هذا خالفوا الإسلام جملة وانسلخوا منه، وإن قالوا بل يقام عليه ويقاتل وهو قولهم، قلنا لهم فإن قتل تسعة أعشار المسلمين أو جميعهم إلا واحد منهم وسبى من نسائهم كذلك وأخذ من أموالهم كذلك، فإن منعوا من القيام عليه تناقضوا، وإن أوجبوا سألناهم عن أقل من ذلك ولا نزال نحيطهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحدا أو على امرأة واحدة أو على أخذ مال أو على انتهاك بشرة بظلم، فان فرقوا بين شيء من ذلك تناقضوا وتحكموا بلا دليل وهذا مالا يجوز وان أوجبوا إنكار كل ذلك رجعوا إلى الحق).([151])

ثم إن المسألة التي ذكرها ابن المنذر في المقاتلة دون النفس والأهل والمال، فلم يستثنوا الأهل، فيسأل أصحاب الخطاب الديني المبدل هذا السؤال: (إذا غصب السلطان الجائر الفاجر زوجة أحدهم وابنته وابنه ليفسق بهم،أهو في سعة من إسلام نفسه وامرأته وولده وابنته للفاحشة، أم فرض عليه أن يدفع من أراد ذلك منهم، فإن قالوا فرض عليه إسلام نفسه وأهله أتوا بعظيمة لا يقولها مسلم، وإن قالوا بل فرض عليه أن يمتنع من ذلك ويقاتل رجعوا إلى الحق ولزم ذلك كل مسلم في كل مسلم وفي المال كذلك).([152])

ومما استدل به ابن ريس والجماعات الوظيفية للتسويق للطغاة ومن جاء بهم الاحتلال؛ زعمهم أن الإسلام يجيز للحاكم الاستبداد بالسلطة والمال، ويحرم الاعتراض عليه في نهبه لأموال الأمة والأموال الخاصة، ويستدلون على هذا الباطل بمثل حديث (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا) وفسروا هذه الأثرة بنهب الأموال وظلم الشعوب، قال ابن ريس: (في الحديث ذكر "واثرة علينا" وهو الظلم، ومع ذلك أمر بالصبر).([153]) وعدّ ذلك من المجمع عليه فقال: (الصبر على جور الحاكم، مما أجمع عليه أهل السنة، والصبر على جلده وأخذه للمال بغير حق).([154])

والرد على هذه الشبهة من وجوه:

الأول: الأثرة في اللغة بمعنى التفضيل ومنه قوله تعالى عن إخوة يوسف: {تالله لقد آثرك الله علينا} أي فضلك، جاء في تفسير اللباب: (قوله: {تالله لقد آثرك الله علينا} أي تفضل عليك، والإيثار: التفضيل بأنواع جميع العطايا، آثره يؤثره إيثارا، وفي الحديث: (ستكون بعدي أثرة) أي: يستأثر بعضكم على بعض، ويقال: استأثر بكذا، أي: اختص به، واستأثر الله بفلان، كناية عن اصطفائه له، قال الأصمعي: يقال: آثرك الله إيثارا، أي: فضلك).([155]) وقال الطبري: (يقول جل ثناؤه: قال إخوة يوسف له: تالله لقد فضلك الله علينا).([156])

فكل سلطة تمارس مهامها لا بد أن يقع منها تفضيل لبعض الناس على بعض، بحسب ما تراه من المصلحة، فهناك أثرة بحق لما تراها السلطة من مصلحة ولا يراها بعض الناس، وقد يقع بعض التجاوزات في هذه الأثرة مالم يصل للظلم البين، فمنع النبي صلى الله عليه وسلم والحال هذه الخروج أو نزع الطاعة لما يقع من هذه الأثرة والتي لابد منها، وحث على الصبر على هذه الأثرة وعدم مفارقة الجماعة، وهناك بعض الأمثلة على هذه الأثرة من ذلك ما جاء في تأمير رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص وهو حديث عهد بإسلام على المهاجرين السابقين والأنصار في غزوة ذات السلاسل، قال ابن كثير: (بعث عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من أرض بنى عذرة يستنفر العرب إلى الشام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بلى، فلذلك بعث عمرا يستنفرهم ليكون أنجع فيهم، فلما وصل إلى ماء لهم يقال له السلسل خافهم، فبعث يستمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله  صلى الله عليه وسلمسرية فيهم أبو بكر وعمر وعليها أبو عبيدة بن الجراح، فلما انتهوا إليه تأمر عليهم كلهم عمرو وقال: إنما بعثتم مددا لي. فلم يمانعه أبو عبيدة لأنه كان رجلا سهلا لينا هينا عند أمر الدنيا، فسلم له وانقاد معه، فكان عمرو يصلي بهم كلهم).([157])

ومن الأمثلة في الأثرة التي تراها السلطة في الاستعمال (أن رجلا من الأنصار قال يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلانا قال ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض).([158])

وليس المراد بالصبر على الأثرة الصبر على الظلم البين، والمنكر الذي أوجب الله إنكاره، ونهب أموال الأمة التي أمر الله بالحفاظ عليها، ومما يدل على بطلان هذا الفهم بنود بيعة العقبة والتي جاء فيها: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول أو نقوم بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم).([159])فأمرهم النبيصل مع الصبر على الأثرة القيام بالحق وقله في وجه السلطة متى ما انحرفت عن الحق وجنحت للجور والظلم، وقد امتثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه البيعة ووفى بها ومنهم راوي الحديث عبادة بن الصامت الذي كان ينكر على الأمراء ما يصدر منهم من أخطاء، ومن ذلك ما أنكره عبادة بن الصامت على معاوية بشدة وهو يخطب في الناس وكان أميرا عليهم، حيث قام معاوية خطيبا فقال: (ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه. فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية - أو قال وإن رغم - ما أبالى أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء).

ويراجع للزيادة في تفنيد هذه الشبه في تفسير في مثل هذه الأحاديث لتبرير الركون للظالمين والسكوت عن المفسدين ما كتبه الشيخ د. حاكم المطيري في كتابه (تحرير الإنسان وتجريد الطغيان).

ثانيا: مهما يكن من تفسير لهذه الأحاديث فإنه لن يصح لابن ريس وسدنة الطغاة أن ينزلوها على الطاغوت والطوائف الممتنعة ومن جاء بهم الاحتلال!

تحريف معاني القرآن لتجويز الطغيان:

لعل أكثر آية حرف معناها أصحاب الخطاب الديني المبدل الآية رقم (59) من سورة النساء في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، وقد استنبطوا من هذه الآية مصطلحا مبتدعا وجعلوه طاغوتا يعبد مع الله ألا وهو اصطلاح (طاعة ولي الأمر)، فجعلوا الطاعة التي أمر بها لولاة أمر المسلمين للطاغوت ولمن نصبه الاحتلال، ولكل حاكم ادعى الإسلام وإن لم يعترف به، مع أن الآية وسابقها ولاحقها يبطل هذا التحريف وهذا التزوير.

فولاة أمر المؤمنين ومنهم خليفة المسلمين هم امتداد لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم والرسل قبله والتي جاءوا لإقامة العدل والحق بين الناس كما قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}؛ ولذا قال الله في الآية قبل آية الطاعة رقم (58) مؤكدا على هذا المعنى وهذه الغاية: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا}.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك كان حقا على المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا).([160])

وعن ابن سيرين، قال: (كان عمر إذا استعمل رجلا كتب في عهده: اسمعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم).([161])

وقال ابن زيد، قال أبي: هم الولاة، أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها). وعن مكحول في قول الله: {وأولي الأمر منكم} قال: هم أهل الآية التي قبلها:{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}.([162])

وقال ابن جرير في الآية: (هو خطاب من الله لولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقسم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في: ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )، فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الراعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة).([163])

وقال أبو حيان الأندلسي: (ومناسبتها لما قبلها أنه لما أمر الولاة أن يحكموا بالعدل أمر الرعية بطاعتهم).([164])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور؛ عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم؛ عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك).([165]) أي للعدل وأداء الأمانة.

وقال ابن عاشور: (لما أمر الله الأمة بالحكم بالعدل عقب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكام ولاة أمورهم لأن الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل، وأشار بهذا التعقيب إلى أن الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف).([166])

وأما في الآية اللاحقة لآية الطاعة مباشر وهي رقم (60) فقد حذر الله نبيه وأمته من مدعي الإيمان الذين يعرضون عن حكم الله ورسوله ويتحاكمون إلى الطاغوت المنافي لحكم الحق والعدل فقال: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}.

قال ابن القيم: (أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم للطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة - وهم الصحابة ومن تبعهم - ولا قصدوا قصدهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معا).([167])

ومن هؤلاء المحرفين لهذه الآية ابن ريس الذي جعل حق الطاعة الذي أوجبه الله لولاة الأمر من المسلمين، جعله للطاغوت وأولياء الاحتلال وحلفائه وحكوماته التي نصبها في ديار المسلمين بحجة أنهم مسلمون!

قال ابن ريس:(اشترط السمع والطاعة للحاكم المسلم القوي الذي لا يخاف من قوى أعظم كفرية، أو لحاكم لا يسير على مخططات الغرب، وهذا اشتراط باطل... فإن أدلة السمع والطاعة لم تفرق بين المتغلب بنفسه أو بغيره).([168]) يعني من جاء به الاحتلال وهو يدعي الإسلام فهو داخل في عموم من تجب له السمع والطاعة!

 وقال (وأن الحكمة التي شرع من أجلها السمع والطاعة تتحقق مع وجود الحكومات بهذه الحالة).([169]) يعني التي نصبها الاحتلال في بلاد المسلمين وتدير أعماله!

وقال (ولو كان هناك فرق لبينته الشريعة، فإن الأصل بقاء العام على عمومه، وإليك بعض هذه الأدلة:-

1- قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر}. وجه الدلالة: أن كلمة {أولي} نكرة أضيفت إلى معرفة فأفادت العموم في كل حاكم بما أنه مسلم).([170])

وقال: (مقتضى العموم في قوله تعالى: {وأولي الأمر منكم}، فإن {أولي} نكرة أضيفت إلى معرفة، فأفادت العموم في كل حاكم بما انه مسلم، سواء فاسقا أو عدلا).([171])

قال د. حاكم في كتاب الحرية مبينا معنى آية الطاعة: (كما أن في قوله: {وأولي الأمر منكم} ثلاث إشارات: الأولى: أنه جاء بلفظ الجمع {أولي الأمر} ولم يقل: (ولي الأمر)، لبيان أن أولي الأمر هم جماعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وقادة المجتمع الذين يمثلون مكوناته، فهؤلاء هم الذين  تجب طاعتهم إذا اتفقوا على رأي ولم يخالف الكتاب والسنة، فإن اختلفوا وتنازعوا فيما بينهم، أو وقع نزاع بينهم وبين الأمة وجب الرد إلى الكتاب والسنة).([172])

فعدّ ابن ريس هذا الكلام من: (الشبهة الساقطة المخالفة للأحاديث النبوية وإجماعات أهل السنة وعقيدتهم التي علقت السمع والطاعة برجل واحد)!([173]).

وهذا الاستنفار من ابن ريس في رده لظاهر القرآن نصرة للديكتاتورية وحكم الفرد والطغاة المعاصرين، وهو في هذه التعصب كتعصب الفرق الضالة نصرة لأوليائهم وأئمتهم كالباطنية لأئمتهم حينما فسروا {أولي الأمر} بالإمام الفرد، فقال الفخر الرازي رادا عليهم: (أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر وأولو الأمر جمع وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر)!([174])

ثم يقال لابن ريس إن الشيخ د. حاكم ودعاة الخطاب الراشدي يرون وجوب نصب الإمام العدل بالشورى ويرون وجوب طاعته، بخلاف ما يحاول ابن ريس أن يزوره عليهم، ومن ذلك ما ذكره د. حاكم في كتاب الحرية عند الأصل الثاني من العهد الراشدي قال: (ضرورة إقامة السلطة وأنه لا دولة بلا إمام)([175])، وقال بعد ذكر طاعة أولي الأمر: (فإذا حافظت السلطة على الأصول العامة القطعية؛ بإقامة شعائر الإسلام وأركانه الظاهرة، وإقامة شرائعه والحكم بالكتاب بالعدل، وإقامة الميزان بالقسط، بما في ذلك العمل بالشورى والالتزام بما تريده الأمة، ولم تظهر كفرا بواحا، فالواجب الوفاء لها، والسمع والطاعة لها بالمعروف وفيما لا معصية فيه لله،حتى وإن خرج الإمام عن حد العدالة بظلم وفسق قاصرين على نفسه([176])، فإن تعدى ظلمه إلى الأفراد فقد جعل الشارع لهم الحق في مقاومة طغيان السلطة بالدفاع عن دمائهم وأعراضهم وأموالهم).([177]) وقال: (وجوب الطاعة للسلطة ما قامت بواجبها).([178])

 وقال أيضا في كتابه: (السنن النبوية في الأحكام السياسية) (باب وجوب الدخول في الطاعة في حال اجتماع الأمة على خليفة واحد وقال تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}) وقال في: (الفصل الثاني: السمع والطاعة وحقوق السلطة على الأمة وشروط ذلك ولوازمه: باب: وجوب السمع والطاعة للأئمة والصبر مع الجماعة في ظل دولة الخلافة وقال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}).([179])ثم ذكر الأحاديث الدالة على هذا الأصل.

وما ذكره د. حاكم من أن الآية دالة على الجمع فهذا ظاهر القرآن، وما دلت عليه اللغة، وكلام أهل العلم والتفسير، فقوله تعالى {أولي الأمر} جمع بمعنى ذوو الشأن في الأمور العامة للأمة، قال الزجاج: (وجملة أولي الأمر من المسلمين من يقول بشأنهم في أمر دينهم وجميع ما أدى إِلى صلاح له).([180])

 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمرون الناس؛ وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام... ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان؛ وكل من كان متبوعا).([181])

وقال ابن عاشور: (ولما أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أن أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معينة، وهم قدوة الأمة وأمناؤها... فأولو الأمر هنا هم من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخرة،وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضاً أهل الحل والعقد).([182])

فالسلطة في نظام الإسلام وعلى رأسها الإمام ليست ولايتها مستقلة، وإنما هي مستمدة من ولاية المؤمنين كما قال تعالى: {وأولي الأمر منكم} أي مخرجه منكم، فالأمة هي مصدر السلطة {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}، فالولاية في الأصل للمؤمنين جميعا وبهذه الولاية (أمرهم شورى بينهم) وبها يختارون من يحكمهم بالشورى والرضا كوكيل عنهم (الإمارة شورى بين المسلمين) (من بايع دون شورى فلا بيعة له)، قال ابن تيمية موضحا أن الأمة هي مصدر السلطة: (ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه، وامتنع سائر الصحابة عن البيعة، لم يصر إماماً بذلك، وإنما صار - أبو بكر -  إماماً بمبايعة جمهور الصحابة، والذين هم أهل القدرة والشوكة)، (وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قُدِّر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما).([183])

فالخلافة في الأصل هي للأمة التي لها الحق وحدها في اختيار الإمام وعزله، إلا أنها تمارس هذه الولاية العامة من خلال ممثليها ووكلائها وهم أهل الحل والعقد فيها، الذين يختارون الخليفة نيابة عن الأمة([184])،والخليفة واحد من أولي الأمر له ولاية خاصة مستمدة من ولاية المؤمنين العامة، فكان عمر أمير المؤمنين وواحدا من (أولي الأمر) فإذا خالفه أهل الحل والعقد رجع إلى الشورى وترك رأيه وكان ينزل على رأي جمهور الصحابة وكذا أبو بكر y.([185])

وقد استدل بعض أهل العلم على حجية الإجماع بأمر الله بطاعة {أولي الأمر} حال اتفاقهم فلم يأمر الله بالتزام طاعتهم إلا أنهم على الحق، وهذا بحال اجتماع واتفاق أولي الأمر لا الحاكم وحده.

 قال ابن حزم: (وإنما أمر الله تعالى باتباع القرآن، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر باتباع الإجماع).([186])

وقال ابن تيمية: (ولهذا كان أولو الأمر إذا اجتمعوا لا يجتمعون على ضلالة).([187])

وقال الفخر الرازي: (اعلم أن قوله {وأولي الأمر منكم} يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأوأولي الأمر أهل الحل والعقد من الأمة، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة).([188])

وقال الفخر الرازي في تفسيره: (وطاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا، وعندنا أن طاعة أهل الإجماع واجبة قطعا... فكان حمل الآية على الإجماع أولى، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق).([189])

وقال الآمدي: (ووجه الاحتجاج بالآية أنه شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة والمشروط على العدم عند عدم الشرط وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب والسنة ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى هذا).([190])

وقال الألوسي: (وقد علم من قوله سبحانه: {فإن تنازعتم} أنه عند عدم النزاع يعمل بما اتفق عليه وهو الإجماع).([191])

وقال الشيخ ابن عثيمين: (دلت الأدلة على أن إجماع الأمة حجة، وأن الأمة معذورة بالعمل به، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) فإن ظاهر قوله (فإن تنازعتم في شيء) يدل على أنه إذا حصل الاتفاق فإن قولهم كالذي قام به الدليل من الكتاب والسنة).([192])

 أما الإمام الذي استبد عن الأمة وعن أولي الأمر وكان أمره من غير شورى الأمة، فلا طاعة له إلا فيما هو امتثال لطاعة الله كالجهاد والصلاة معه ونحو ذلك كما تقدم.

ولذا جاء اللفظ القرآني بطاعة (أولي الأمر) بصيغة الجمع حال اتفاقهم،بحيث يشمل جماعة أهل الحل والعقد من العلماء والأمراء وقادة المجتمع الذين يمثلون مكوناته، ومن ذلك السلطة التي اختارتها الأمة فلها السمع والاستجابة حين تدعو للحق، والطاعة والتنفيذ حين تأمر.

  واشترط الله في الآية أن يكونوا منا فقال {أولي الأمر منكم} أي يمثل دينكم وسياستكم ومشروعكم فليست له أي صلاحيات تتجاوز هذه القيود؛ ولذا جعل الله للأمة في نفس الآية حق الاعتراف والتنازع مع أولي الأمر، فلم يجعل لهم الطاعة المطلقة فقال: {فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فكفل للأمة حق التنازع وجعل الكتاب والسنة هما الفيصل لهذا النزاع، قال الإمام الشافعي: (أمر أن أطيعوا أولي الأمر الذين أمرهم رسول الله لا طاعة مطلقة بل طاعة مستثناة فيما لهم وعليهم فقال {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله}يعني إن اختلفتم في شيء، وهذا إن شاء الله كما قال في أولي الأمر إلا انه يقول {فإن تنازعتم} يعني هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعتهم).[193]وكما قال الصديق في أول خطبة بعد تسلمه منصب الإمامة: (فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم).([194])

وفي قوله تعالى {أولي الأمر منكم} رد على ابن ريس الذي يشرعن الطاعة لحكومات الاحتلال وعملائه كيف والله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}! قال ابن جرير:(ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض. وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه).([195])

وقوله: {وأولي الأمر منكم} أي من تختارونه وهو يمثلكم ولم يقل (عليكم) بخلاف ما يروج في الفقه المزور من أصحاب الخطاب الديني المبدل الذي يعطي لكل من استولى على هذا المنصب وتسلط على المسلمين صك الطاعة والتقديس!

وللحديث بقية مع الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية!

 


[1])) مجموع الفتاوى (1/98).

[2])) ص356.

[3])) ص 390 .

[4])) ص188.

[5])) ص189.

[6])) ص354.

[7])) تفسير السعدي ص681.

[8])) البخاري (4812) مسلم (7227).

[9])) صحيح مسلم (7228).

[10])) البداية والنهاية (12/9).

[11])) مجموع الفتاوى (3/268).

[12])) مجموع الفتاوى (28/508).

[13])) مجموع الفتاوى (35/25).

[14])) ص35.

[15])) ص36.

[16])) ص407.

[17])) ص407.

[18])) ص407.

[19])) ص39.

[20])) ص73.

[21])) ص386.

[22])) ص356.

[23])) ص390.

[24])) ص188.

[25])) الفرقان ص71.

[26])) ص380.

[27])) ص382

[28])) ص382.

[29])) الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية (1/127).

[30])) شرح العقيدة الواسطية الصوتي.

[31])) شرح البخاري (5/126).

[32])) الحرية أو الطوفان ص187.

[33])) فتح الباري (12/386).

[34])) صحيح البخاري (3604)، صحيح مسلم (2917).

[35])) فتح الباري (13/10).

[36])) هو النجراني والملقب بالمكتب والمعلم، تابعي ثقة، قال يحيى بن معين: عبد الله بن الحارث المعلم الذي يروى عنه عمرو بن مرة ثبت.إهـ . روى عن ابن مسعود وجندب بن عبد الله البجلي وغيرهم، وأخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

[37])) مصنف ابن أبي شيبة (37916).

[38])) فتح الباري (12/301).

[39])) فتح الباري (12/301).

[40])) أحكام القرآن لابن العربي المالكي (7/174).

[41])) الحرية أو الطوفان ص163.

[42])) أحكام القرآن لابن العربي المالكي (7/175).

[43])) المدونة (1/530).

[44])) المحلى (9/362).

[45])) منهاج السنة (6/71).

[46])) مجموع الفتاوى (29/196).

[47])) مجموع الفتاوى (4/443).

[48])) يعني شيخ الإسلام هنا كل من ولي أمر المسلمين فتشمل الإمام والقاضي وغيرهم وليست حصرا على الحاكم كما في الاصطلاح المحدث!

[49])) منهاج السنة (3/390).

[50])) الفرقان ص71.

[51])) ص380.

[52])) ص382

[53])) ص186.

[54])) مجموع الفتاوى (4/250).

[55])) مجموع الفتاوى (35/56).

([56]) صحيح ابن حبان (4580) قال محققه إسناد صحيح، وصححه الألباني.

([57]) أحمد في المسند ح 21297 وصححه الألباني.

([58]) ابن عبد البر في جامع العلوم والحكم وصححه الألباني في الجامع.

([59]) البخاري ح 3834.

([60]) البيهقي في الكبرى ح 16428 وأبو نعيم في فضيلة العادلين ح 37.

([61]) البداية والنهاية (7/78) وفتاوى ابن تيمية (28/268)السنن الكبرى للبيهقي (6/357)

[62]))مجموع الفتاوى (10/355).

[63])) ص225.

[64])) ص82.

[65])) ص77.

[66])) ص316.

[67])) ص90.

[68])) صحيح البخاري (2964).

[69])) فتح الباري (6/119).

[70])) إعلام الموقعين (1/10).

[71])) المفهم (12/86).

[72])) طرح التثريب (8/315).

[73])) تفسير الواحدي ص271.

[74])) تفسير الطبري (2/20).

[75])) تفسير القرطبي (1/270).

[76])) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/401) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في الصحيحة حديث رقم: (590).

[77])) مصنف ابن أبي شيبة (7/526).

[78])) رواه أحمد في مسنده (13225) وصححه الألباني في صحيح الجامع (7521).

[79])) رواه مسلم (1854).

[80])) العواصم والقواصم (8/184).

([81]) الطبري وقال ابن كثير في البداية والنهاية إسناده صحيح (5/269).

[82])) ابن جرير في التاريخ (4/203) والسنة للخلال (1/117).

[83])) السنة للخلال (1/112).

[84])) مصنف ابن أبي شيبة (38391).

[85])) يعني شيخ الإسلام هنا كل من ولي أمر المسلمين فتشمل الإمام والقاضي وغيرهم وليست حصرا على الحاكم كما في الاصطلاح المحدث!

[86])) منهاج السنة (3/390).

[87])) منهاج السنة (4/312).

[88])) مجموع الفتاوى (29/196).

[89])) أحكام القرآن (1/86).

[90])) تفسير أبي السعود (2/193).

[91])) تفسير القرطبي (5/259).

[92])) مفاتح الغيب (10/116).

[93])) قال الذهبي:القاضي العلامة، رئيس المحدثين والمتكلمين بما وراء النهر، أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي . أحد الأذكياء الموصوفين، ومن أصحاب الوجوه في المذهب، أخذ منه أبو عبد الله الحاكم، توفي سنة 403ه .

[94])) شعب الإيمان للبيهقي (10/12).

[95])) الذخيرة (12/80).

[96])) التحرير والتنوير(7/707).

[97])) قواعد الأحكام ص91.

[98])) ص238.

[99])) ص230.

[100])) ص 236.

[101])) ص 232.

[102])) ص 318.

([103]) صحيح مسلم (7461).

[104])) ص 395.

[105])) ص238.

[106])) الاعتصام للشاطبي (1/29).

([107]) رواه البخاري ح 965

([108]) رواه مسلم (78).

([109]) إحياء علوم الدين (2/316).

([110]) أحمد في المسند (11143) والحاكم في المستدرك (4/451) وأهل السنن وصححه الألباني في الصحيحة (491).

([111]) أخرجه مسلم (80) وأحمد (4363) وابن حبان (1/403) واللفظ له وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان.

([112]) جامع العلوم والحكم ص322.

[113])) صحيح مسلم (225).

[114])) صحيح البخاري (1454).

[115])) فتح الباري (3/313).

[116])) غريب الحديث (2/45).

[117])) أخرجه الحاكم في المستدرك (1/562) وقال صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه.

[118])) صحيح مسلم (226).

[119])) السنن الكبرى للبيهقي (8/335).

[120])) كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/117).

[121])) المحلى (11/99).

[122])) مسند أحمد (1642).

[123])) تهذيب الآثار للطبري ص22.

[124])) تاريخ بغداد للبغدادي (16/38).

[125])) صحيح ابن حبان (10/428) وانظر (السنن النبوية في الأحكام السياسية) د. حاكم المطيري.

[126])) الفصل (4/133).

[127])) المفهم (12/89).

[128])) الرسالة للشافعي ص 80 و أحكام القرآن للشافعي ص15.

[129])) فتح الباري (13/112).

[130] اقتضاء الصراط المستقيم (1/249).

[131] مصنف ابن أبي شيبة (34400).

[132] مصنف ابن أبي شيبة (34405) والسنة للخلال (1/112).

[133] رواه ابن عبد الحكم في كتابه (فتوح مصر) بإسناد صحيح، انظر (السنن النبوية في الأحكام السياسية) د. حاكم المطيري.

([134]) تاريخ المدينة لابن شبة (3/816 ) وقال د. حاكم في كتابه التحرير إسناده جيد على شرط البخاري إلى هارون الحضرمي وهو تابعي في ثقات ابن حبان، عن عفيف بن معد يكرب وهو معدود في الصحابة كما في الإصابة.

[135] السنة للخلال (1/117).

[136] ص 237.

[137]مسند أحمد (23425).

[138])2) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (15/344).

[139])) الفصل (4/133).

[140])) ص394.

[141])) ص239.

([142]) ص104 .

[143] الإشراف على مذاهب العلماء (7/248).

[144] المرجع السابق.

[145] وقد سألت شيخنا د. حاكم عن أهل الحديث الذين يذكرهم ابن المنذر فأفادني بذلك جزاه الله خيرا.

[146] الإشراف (2/108).

[147] الإشراف (8/225).

[148] فتح الباري (5/124).

[149]سبل السلام (3/262).

[150] الفصل (4/134).

[151] الفصل (4/135).

[152] الفصل (4/135).

( ([153]ص215.

( ([154]ص238.

( ([155]تفسير اللباب في علوم القرآن (11/204).

( ([156]تفسير الطبري (16/245).

( ([157]البداية والنهاية (5/238).

( ([158]صحيح البخاري (3792).

( ([159]البخاري (7199) ومسلم (4877).

[160])) مصنف ابن أبي شيبة (33199) والسنة للخلال (1/109).

[161])) مصنف ابن أبي شيبة (34405) والسنة للخلال (1/112).

[162])) تفسير الطبري (8/491).

[163])) تفسير الطبري (8/492).

[164])) البحر المحيط في التفسير (3/686).

[165])) مجموع الفتاوى (28/245).

[166])) التحرير والتنوير(5/96).

[167])) إعلام الموقعين (1/40).

[168])) ص407.

[169])) المرجع السابق.

[170])) ص35.

[171])) ص90.

[172])) ص 64

[173])) ص 337

[174])) مفاتح الغيب (10/117).

[175])) الحرية أو الطوفان ص15.

[176])) فلا يشترط للإمام عصمة كما عند الشيعة.

[177])) الحرية أو الطوفان ص 67.

[178])) الحرية أو الطوفان ص 69.

[179])) السنن النبوية في الأحكام السياسية ص48، 93

[180]))معاني القرآن وإعرابه (2/67) لأبي إسحاق الزجاج (المتوفى: 311هـ)

[181])) مجموع الفتاوى (28/170).

[182])) التحرير والتنوير (5/98).

[183])) منهاج السنة (1/530).

[184])) الخلافة أحكامها وأيامها د. حاكم المطيري.

[185])) راجع تغريدات د. حاكم في تويتر حول معنى أولي الأمر DrHAKEM@

[186])) المحلى (6/179).

[187])) جامع المسائل (1/275).

[188])) مفاتح الغيب(10/116).

[189])) مفاتح الغيب (10/116).

[190])) الأحكام للآمدي (1/277).

[191]))روح المعاني (4/106).

[192])) فتاوى نور على الدرب (6/2).

([193])الرسالة للشافعي ص80.

[194]))الطبري وقال ابن كثير في البداية والنهاية إسناده صحيح (5/269).

[195])) تفسير الطبري (10/400).

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ