السبت 1439/03/28 هـ
الأخبار ||

الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا الحلقة السابعة

الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا الحلقة السابعة
10/9/2017 9:37:57 PM
الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا الحلقة السابعة

الثورة العربية

وأباطيل الجماعات الوظيفية

كتاب عبد العزيز الريس نموذجا

بقلم: محمد بن مبارك الهاجري

(7)

القاديانية الجديدة وتحريم نقد حكومات الاحتلال:

من البدع المحدثة التي يقررها أصحاب الخطاب الديني المبدل من الجماعات الوظيفية وسدنة الطغاة تحريم الإنكار على السلطة باللسان، وأنّ ذلك من الخروج المحرم، حتى قالوا: (إنّ أوّل الخروج كلمة)! فجعلوا الإنكار باللسان مساوٍ للخروج بالسيف وفي حكمه، ومن هؤلاء ابن ريس الذي جعل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة تحريم الإنكار على السلطة والحكام، ووجوب صيانة ذواتهم وعروشهم من النقد والتصحيح! فقال: (التأصيل السابع: حرمة إشاعة عيوب ولاة الأمور وإظهارها ولو باسم النصيحة، ويدل لهذا أنّ إظهار عيوبهم وأخطائهم سبب لشحن النفوس عليهم، المؤدي للخروج عليهم؛ والوسائل المؤدية للمحرم محرمة لأنّ للوسائل أحكام الغايات).([1])ثم رغّب الريس بالدعاء للطغاة ومن جاء بهم الاحتلال في السر والعلن باسم عقيدة السلف فقال: (قرر غير واحد من أهل السنة ممن كتب في الاعتقاد مشروعية الدعاء للسلطان)!([2])

وهذا التأصيل من ابن ريس ومن على طريقته، يتضمن تقرير أمرين خطيرين، ليسا من فروع الفقه وإنما في أصول الاعتقاد في الولاء والبراء وموالاة الطاغوت وهما:

الأول: أنهم ينزّلون الحاكم منزلة الربّ سبحانه الذي: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}. فليس للحاكم عندهم إلا التبجيل والتعظيم، ومهما يصدر منه من مناقضات للشريعة، وموبقات في حق الإسلام وأهله، فإنهم يوجبون طاعته واتباعه، ويحرمون معارضته وانتقاده، وليس لأحد حق الاعتراض عليه أو نقده، إلا من تبرع بالنصيحة السرية في جلسة لا يسمعهم فيها أحد إلا الله، ثم يسير هذا الناصح معلنا طاعته وامتنانه، ويسير هذا الحاكم بإفساده وطغيانه!

وهذا من تحريفاتهم في مسألة محاسبة السلطة في الإسلام، وهو الذي أوجبه الإسلام، وحث على القيام به ولو ترتب على ذلك إزهاق النفس.

 وقد قام الصحابة والتابعون وعلماء الإسلام بهذا الأمر حق القيام، وصدعوا به في كل مكان، إلا من أكره وقبله يدعو على الظلمة وأهل الطغيان.

الثاني: أنّ الريس ومن على طريقته لا ينزلون هذا الكلام على الحاكم والإمام في ظل دولة الإسلام وأحكامه، بل ينزلون هذا التأصيل على كل حاكم ادعى الإسلام بلسانه، فيشمل عندهم أيضا الطاغوت الذي يدعي الإسلام ويرفض شريعته بل ويحاربه!

ويشمل أيضا حكومات الاحتلال التي نصبها في بلاد المسلمين! فيحرمون نقدهم فضلا عن وجوب قتالهم وجهادهم كما نصّ ابن ريس على ذلك عند اعتراضه على د.حاكم عندما حذر من طاعة الأنظمة التي جاء بها الاستعمار ووظفها لمخططاته([3]) فقال ابن ريس: (اشترط السمع والطاعة للحاكم المسلم القوي الذي لا يخاف من قوى أعظم كفرية، أو لحاكم لا يسير على مخططات الغرب، وهذا اشتراط باطل لسببين: الأول: أن أدلة السمع والطاعة لم تفرق بين المتغلب بنفسه أو بغيره، وكذلك إجماعات أهل السنّة. والسبب الثاني: أن الحكمة التي شرع من أجلها السمع والطاعة تتحقق مع وجود الحكومات بهذه الحالة).([4]) أي التي نصبها الاحتلال وتدير أعماله!

وهذا في الحقيقة هو عمل القاديانية مع حكومات الاحتلال من قديم، وذلك بالعمل على حمايتها والإخلاص لها؛ لصد المسلمين عن التحريض عليها وجهادها ودفعها كما قال أحمد القادياني: (لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعته أولي الأمر).([5]) وقال: (لقد ظللت منذ حداثة سني أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية والنصح لها والعطف عليها، وأنفي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة).([6])

فلن يجد المحتلون اليوم لبلاد المسلمين أفضل من هذه التقريرات التي تحرم نقد حكوماتهم التي يصنعونها فضلا عن إعلان الجهاد عليها وإخراجها، وهذا كله باسم السّنة والسلفية!

الرد على ابن ريس في تبديع من ينكر على الحاكم:

قال ابن ريس في استدراكه الخامس عشر: (قال حاكم: "فكذا لها الحق في نقده ومناصحته والاعتراض على سياسته، فالحرية السياسية إحدى الأسس التي قام عليها الخطاب السياسي الراشدي". وهذه دعاوى عارية من بينة، فقد تقدم ذكر الأدلة وأقوال السلف في عدم صحة مناصحة الإمام إلا أمامه لا وراءه، وأنّ الكلام من ورائه باسم النصيحة محرم وبدعة، وتقدم بيان أنّ سبه وانتقاصه محرم، وما ذكره الدكتور حاكم لا يخرج عن أحوال ثلاثة:

الحال الأولى: كلام حماسة وعاطفة...

الحال الثانية: أنّ أدلته أدلة خارج مورد النزاع، لأنها في النصح أمامه؛ وهذا جائز وليس ممنوعا. فقد ذكر حديث: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"

الحال الثالثة: أنّ أدلته عامة في إنكار المنكر. فقد ذكر حديث: " من رأى منكم منكرا..").([7])

أمر الحاكم بالمعروف ونهيه عن المنكر ونقد السلطة والحسبة عليها باليد واللسان بالسر والعلن، لا يختلف أحد من أهل السنة عليه، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع، وأنه من الفروض والواجبات، وليست من العواطف والحماسات كما يزعم ابن ريس!

 قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}. وقال النبي : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).([8])

وقال :(سيكون أمراء من بعدي يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن لا إيمان بعده).([9])

ومن بنود بيعة العقبة الثانية في إقامة الدولة، البيعة على الحسبة على السلطة كما في حديث عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله على السمع و الطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم).([10]) وفي رواية عن جابر بن عبد الله: (فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه بيعة العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولها لا يبالي في الله لومة لائم).([11])

وقد امتثل الصحابة رضي الله عنهم لهذه البيعة، ووفوا بها وقاموا بالحق والصدع به حق القيام سواء أمام الحكام و المحكومين، ومن ذلك ما أنكره عبادة بن الصامت ـــــ وهو من رواة الحديث وممن بايع بيعة العقبة ــــــ على معاوية بشدة وهو يخطب في الناس وكان أميرا عليهم حيث قال معاوية: (ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثنّ بما سمعنا من رسول الله ، وإن كره معاوية أو قال: وإن رغم).([12]) قال النووي: (فيه القول بالحق وإن كان المقول له كبيرا).([13])

وجاء أن عبادة بن الصامت (مرت عليه قطارة وهو بالشام تحمل الخمر فقال: ما هذه؟ أزيت؟ قيل: لا بل خمر تباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها ولم يذر منها راوية إلا بقرها، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال:ألا تمسك عنا أخاك عبادة بن الصامت: إما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وإما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا فأمسك عنا أخاك، فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال: يا عبادة ما لك ولمعاوية؟ ذره وما حمل فإن الله يقول: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} قال: يا أبا هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه ما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة، ومن وفى وفى الله له الجنة بما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، فلا يكلمه أبو هريرة بشيء، فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة أن عبادة بن الصامت قد أفسد علي الشام وأهله، فإما أن يكف عنا عبادة بن الصامت، وإما أن أخلي بينه وبين الشام، فكتب عثمان إلى فلان أدخله إلى داره من المدينة، فبعث به فلان حتى قدم المدينة فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين بعينه ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين فلم يهم عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار، فالتفت إليه فقال: ما لنا ولك يا عبادة؟ فقام عبادة قائما وانتصب لهم في الدار فقال: إني سمعت رسول الله أبا القاسم يقول: سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله، فلا تضلوا بربكم. فوالذي نفس عبادة بيده، إن فلانا لمن أولئك فما راجعه عثمان بحرف).([14])

وعن أبي سعيد الخدري قال: خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو الفطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم والله فقال أبا سعيد قد ذهب ما تعلم فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم).([15])

وعن طارق بن شهاب قال: خطب مروان ــــ والي المدينة ــــ قبل الصلاة في يوم العيدفقام رجل فقال: إنما كانت الصلاة قبل الخطبة فقال: ترك ذلك يا أبا فلان، فقام أبو سعيد الخدري فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده...).([16]) قال أبو حامد الغزالي معلقا على هذا الحديث: (فلقد كانوا فهموا من هذه العمومات دخول السلاطين تحتها)([17])، وقال النووي في شرح الحديث: (فليغيره فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة ولا يعتد بخلافهم)!([18])

وفي هذا رد على ابن ريس الذي يزعم أنّ هذا الحديث من النصوص العامة التي لا تنزل على الأمراء، وهذا من التحريف الذي يخالف ما جاء عن الصحابة وعملهم!

فالإنكار على الولاة من آحاد الرعية في السر والعلانية أمر مجمع عليه ومرغب فيه عند سلف الأمة من الصحابة والتابعين، قال إمام الحرمين: (والدليل عليه إجماع المسلمين، فإنّ غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية).([19])

وقد حث النبي أصحابه على ما في بيعة العقبة من الصدع بالحق أمام أمراء الجور فقال كما في حديث عبادة بن الصامت: (ألا لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يقول بالحق إذا علمه، ألا وإنّ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).([20])

وحذّر النبي من أمراء الجور الذين يأتون بعده، وأوصى بالتصدي لهم، وعدّ ذلك من الجهاد ومن مراتب الإيمان فقال كما في حديث عبد الله بن مسعود: (سيكون أمراء من بعدي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده).([21]) قال ابن رجب الحنبلي عند شرحه لهذا الحديث: (وهذا يدلُّ على جهاد الأمراء باليد).([22])

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله : (سيكون أمراء يعرفون وينكرون، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك).([23]) وقوله نابذهم أي: تصدى لجورهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق عليهم.

وعن أبي هريرة عن النبي قال: (سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون، ويفعلون ما يؤمرون، ثم يكون من بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن أنكر عليهم فقد بريء، ولكن من رضي وتابع).([24])

وعن عوف بن مالك، يقول: سمعت رسول الله يقول: (ألا ومن ولي عليه أمير وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فلينكر ما يأتي من معصية الله).([25])

وقد عدّ النبي من قتل بسبب قيامه بالحق على أئمة الجور في أعلى منازل الشهداء كما في حديث جابر أن النبي قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله).([26])

والتخاذل عن ردع السلطات الجائرة من أسباب اللعنات التي تحل على المجتمعات كما في حديث أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله يقول: (إنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).([27]) وفي حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله : (إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم).([28])

وعن عبد الله بن مسعود أن النبي قال: (والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم).([29])

إنكار الصحابة على الخلفاء الراشدين:

 والحسبة على السلطة متقرر عند الصحابة، ومن ذلك إنكارهم على الخلفاء الراشدين، فقد نصّ أبو بكر الصديق في خطبة الإمامة على هذا الأمر كمبدأ دستوري في النظام السياسي الراشدي فقال: (أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم).([30])

وقد أنكر أبيّ بن كعب على أمير المؤمنين عمر علنا أمام الناس كما جاء في صحيح مسلم أنّ أبا موسى الأشعري ذكر حديث الاستئذان لعمر فقال له: (لتأتيني على هذا ببينة، وإلا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى. قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء بالعشي وجدوه، قال: يا أبا موسى، ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم، أبي بن كعب، قال: عدل، قال: يا أبا الطفيل ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله يقول ذلك يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله ، قال: سبحان الله إنما سمعت شيئا، فأحببت أن أتثبت).([31]) قال أبو العباس القرطبي في فوائد هذا الحديث: (يدلُّ على ما كانوا عليه من القوَّة في دين الله، وعلى قول الحق، ومن قبوله، والعمل به، فإنَّ أُبيًّا أنكر على عمر تهديده لأبي موسى، فقام بما عليه من الحق. ولما تحقق عمر الحقَّ قَبِلَه، واعتذر عما صدر عنه ـ رضى الله عنهم أجمعين).([32]) وقال الزرقاني في شرح الحديث: (وفي القصة دليل على ما كان الصحابة عليه من القوة في دين الله وقول الحق والرجوع إليه وقبوله فإن أبيا أنكر على عمر تهديد أبي موسى وخاطبه مع أنه الخليفة بيا ابن الخطاب أو يا عمر لأن المقام مقام إنكار).([33])

واعترض عمر رضي الله عنه على أبي بكر أمام الناس عندما عزم على قتال مانعي الزكاة، حتى أقنعهم أبو بكر ورضوا بقوله، كما في الصحيحين: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس).([34])

 واعترض عمران بن حصين على خليفة المسلمين عمر بن الخطاب في مسألة متعة الحج فقال: (أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء).([35]) وأيضا ما صدر من اعتراض من علي بن أبي طالب على خليفة المسلمين عثمان في المسألة نفسها فقال: (ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ، تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى علي ذلك، أهل بهما جميعا).([36])

وكذلك من صور المعارضة ما حصل من اعتراض من بلال بن رباح ومن معه على أمير المؤمنين عمر في شأن الأرض المقسومة، قال أبو عبيدة القاسم بن سلاّم: (قال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحها عنوة: اقسمها بيننا، وخذ خمسها، فقال عمر: لا هذا عين المال، ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: (اللهم اكفني بلالا وذويه).([37]) فمن شدّة معارضتهم وصل الأمر إلى أن يدعو عمر عليهم، قال ابن تيمية: (كان عمر قد دعا لما عارضوه في قسمة الأرض فقال: اللهم اكفني بلالا وذويه).([38])

 وقد اعترضت امرأة على خطبة عمر وهو على المنبر في مسألة المهور فقالت: (يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا النساء صداقهم على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} قال: فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر).([39])

وكان هناك معارضة للصحابة أيضا على شكل جماعي منظم على السلطة، كما حصل من طلحة والزبير وعائشة -رضي الله عنهم- في اعتراضهم على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب في تأخيره القصاص من قتلة عثمان، وعدّوا المبادرة في تنفيذ القصاص من واجبات السلطة التي لا تعذر بها، فلم يروا التسليم المطلق للسلطة وإن كانت عادلة، بخلاف الفقه السلطاني المتأخر وأهل الإرجاء من سدنة الطغاة الذين ينقادون لأوامر الطغاة دائما وأبدا باسم الدين والسلفية!

إنكار الصحابة على الخلفاء والأمراء بعد العهد الراشدي:

وأما إنكار الصحابة على الخلفاء والأمراء بعد الراشدين فهي كثيرة جدا، قال ابن القيم: (ما قاله عبادة بن الصامت وغيره بايعنا رسول الله على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم، ونحن نشهد بالله أنهم وفوا بهذه البيعة، وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولم يكتموا شيئا منه مخافة سوط ولا عصا ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم، فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة، وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة، وأنكر ابن عمر على الحجاج مع سطوته وبأسه، وأنكر على عمرو بن سعيد وهو أمير على المدينة، وهذا كثير جدا من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل، لم يخافوا سوطهم ولا عقوبتهم، ومن بعدهم لم تكن لهم هذه المنزلة بل كانوا يتركون كثيرا من الحق خوفا من ولاة الظلم وأمراء الجور فمن المحال أن يوفق هؤلاء للصواب ويحرمه أصحاب رسول الله ).([40])

ومما نقل لنا في ذلك ما جاء عن كعب بن عجرة حينما دخل المسجد الجمعة ورأى أمير الكوفة يخطب جالسا فقال: (انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا).([41]) وما قاله الصحابي عمارة بن رؤيبة لما رأى بشر بن مروان أمير الكوفة وهو على المنبر رافعا يديه، فقال: (قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة).([42])

وقد أنكر الصحابة على معاوية وهو يخطب عندما طلب البيعة بولاية العهد لابنه يزيد، منهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والحسين بن علي، حتى قال عبد الرحمن بن أبي بكر له: (إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لانفعل، والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنعيدنها عليك جذعة، ثم وثب فقام).([43])

 وفي البخاري عن يوسف بن ماهك قال: (كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا).([44])هذه الرواية مختصرة وقد قال ابن حجر: (ولأبي يعلى وبن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد حدثني عبد الله المدني قال كنت في المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين رأيا حسنا في يزيد وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر فقال عبد الرحمن هرقلية إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا في أهل بيتهوما جعلها معاوية إلا كرامة لولده).([45])

وعن أبي زرعة قال: دخلت مع أبى هريرة في دار مروان فرأى فيها تصاوير فقال سمعت رسول الله يقول: (قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة).([46])

وقد قام عبد الله بن عمر للحجاج بن يوسف وهو يخطب في الحرم المكي فقال: (يا عدو الله! استحل حرم الله، وخرب بيت الله، وقتل أولياء الله).([47])

 وعندما قال الحجاج وهو يخطب عند الكعبة فقال: (إنّ ابن الزبير بدل كلام الله، فقام ابن عمر فقال كذبت لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت، قال إنك شيخ قد خرفت اقعد، قال أما أنك لو عدت عدت).([48])

 وقال الذهبي في ترجمة حجر بن عدي رضي الله عنه: (ويكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يكذب زياد ابن أبيه الأمير على المنبر، وحصبه مرة).([49])

وقد نصّ أهل العلم على أنّ الأمة هي من تراقب الحاكم وسلطته من ذلك ما قاله ابن حزم: (الإمام الواجب طاعته مما قادنا بكتاب الله تعالى وبسنة رسول الله الذي أمر الكتاب بإتباعها فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك وأقيم الحد والحق).([50] وما قاله عبد القاهر البغدادي عن الإمامة وشروطها وموقف الأمة منها: (يشترط فيها عدالة ظاهرة فمتى أقام -أي الإمام- في الظاهر على موافقة الشريعة، كان أمره في الإمامة منتظما، ومتى زاغ عن ذلك كانت الأمة عيارا عليه في العدول به من خطئه إلى الصواب، أو في العدول عنه إلى غيره، وسبيلهم -أي الأمة- معه كسبيله مع خلفائه وقضاته وعماله وسعاته، إن زاغوا عن سنة عُدل بهم أو عُدل عنهم).([51])

فالنصوص والآثار عن الصحابة مستفيضة في الحسبة على السلطة والإنكار على الأئمة، وهذا مبدأ راسخ وفريضة واجبة عند السلف، وليس هو من الحماسات والعواطف، أو الدعاوي العارية من البيّنة كما يزعم ابن ريس وسدنة الطغاة!

تناقضات ابن ريس في قواعده البدعية التي تحمي الأنظمة الطاغوتية:

وقد حاول ابن ريس أن يرد هذه النصوص المحكمة، والآثار البينة في الحسبة على السلطة، والإنكار على أئمة الجور، بشبه وقواعد مبتدعة، ونقل لآثار في غير محلها، مما أدت به إلى الاضطرابات والتناقضات!

فابن ريس أقرّ على مضض أمام هذه النصوص المستفيضة بأنه يجوز نقد الحاكم والإنكار عليه علانية أمام الناس، وذلك لثبوت هذا الأمر عن السلف كما مر معنا، فقال رادّا على من يقول إن المنكر العلني ينكر علنا: (هذه القاعدة عامة، ويستثنى منها ولي الأمر للأدلة الخاصة، والخاص مقدم على العام، هذا إذا كان وراءه، أما إذا كان أمامه فالأصل الإنكار عليه علانية).([52])

ومع هذا الإقرار بجوار الإنكار العلني على الحاكم إلا أنّ ابن ريس استدل بما ينقض ذلك، فوضع قواعد لطريقة مناصحة الحكام والإنكار عليهم، لتكون أصلا يرجع إليه، ومما ذكره في تأصيلاته البدعية في هذه القواعد تحت عنوان (صفة مناصحة ولاة الأمور المسلمين).([53])  فذكر أدلة لطريقة المناصحة السنية للإنكار بزعمه، وهي تصب في وجوب السرية في النصح، فذكر الدليل الأول وهو حديث تميم الداري أن النبي قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).([54]) فقال ابن ريس: (وجه الدلالة: أنه غاير في النصيحة بين ولاة الأمور وبين غيرهم، فدلّ على أن نصحهم يختلف عن غيرهم، وهذا مفهوم من صنيع الإمام ابن أبي عاصم في كتابه السّنة فإنه لما ذكر حديث الدين النصيحة بوّب بعد ذلك بقوله: "باب كيفية النصيحة الرعية للولاة" ثم ذكر حديث" من كان عنده نصيحة لذي سلكان فلا يبده علانية).([55]) فيقرر ابن ريس خصوصية النصيحة للإمام وأنها لا تكون علانية كبقية المسلمين، ثم عزّز هذا المفهوم بالدليل الثاني؛ لبيان المراد بهذه الخصوصية فقال: (الدليل الثاني: قال عياض بن غنم: "من أراد أن ينصح لسلطان بأمر، فلا يبد له علانية، ولكن يأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذى عليه له").([56])

وحديث عياض هذا ذكره مرتين، وهو دليل يستدلون به على وجوب الإنكار السري في حال الخلوة بالحاكم.

ثم أتى بدليل ثالث في صفة الإنكار على الحاكم فقال: (الدليل الثالث: قال سعيد بن جبير: "قلت لابن عباس: آمر إمامي بالمعروف؟ قال: إن خشيت أن يقتلك فلا، فأن كنت ولا بدّ فاعلا، ففيما بينك وبينه، ولا تغتب إمامك").([57]) وهذا تأكيد لخصوصية المناصحة السرية للحاكم والتي لا تكون بالعلن.

ثم استدل أيضا الريس بدليل رابع يدل على السرية فقال: (الدليل الرابع: قال أبو وائل: "قيل لأسامة بن زيد: لو أتيت عثمان فكلمته، قال: إنكم لترون أني لا أكلّمه إلا أسمعكم، إني أكلّمه في السر، دون أن أفتح بابا لا أكون أوّل من فتحه).([58])

ثم نقل ريس كلاما للشيخ ابن عثيمين يؤيد تأصيلاته التي يوجب فيها الإنكار السري: (الطريق السليم الذي هو النصيحة، وهو من دين الله عز وجل أن يأخذ الإنسان بيده، ويكلمه سرّا، أو يكاتبه سرّا).([59])

فابن ريس لم يجرؤ أن يردّ الأحاديث والآثار التي تدل على جواز الإنكار العلني على الحاكم لوضوحها وكثرتها، لكنه استدرك عليها بخفاء بنقله لهذه الأحاديث وهذه الآثار وأقوال العلماء، ليقول إنّ الطريقة السنية في الإنكار على الحاكم هي السرية، وما عداها فطرق بدعية! وهذا من تناقضه واضطرابه؛ لأنّ إقراره أولا بجواز الإنكار العلني على الحاكم كفيل بإبطال استدلالاته هذه التي توجب النصيحة السرية!

الرد التفصيلي على الأحاديث والآثار التي استدل بها ابن ريس على وجوب السرية بالإنكار على الحاكم:

1 ـــ استدل ابن ريس بحديث عياض بن غنم: (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه).

والجواب عليه من وجوه على فرض صحة هذا الحديث([60]):

أولا: لا يصح لابن ريس الاستدلال بهذا الحديث، فهو في النصيحة السرية؛ ولذا استدل الأمير عياض بن غنم بهذا الحديث وهذا الفهم الدال على السرية على هشام بن حكيم عندما أنكر عليه علانية بحضرته وهو يسمع أمام الناس، وابن ريس يرى جواز هذه الصورة، وهي جواز الإنكار العلني على الحاكم إذا كان حاضرا!

ثانيا: حصر الإنكار على الأمراء في السر فقط يلزم منه إبطال وإلغاء ما مر معنا من الأحاديث وأفعال الصحابة الكثيرة في الإنكار العلني.

ثالثا: الإنكار السري جائز وليس محرما ولا ممنوعا، وخاصة إن كان فيه مصلحة، أو كان المنصوح من الأئمة العدول الذين يقبلون النصيحة كما كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول: (رحم الله رجلا أهدى إلى عيوبي).([61]) وكذلك هو الحال مع الصحابي الأمير عياض بن غنم، فهو ممن شهد بدرا وبيعة الرضوان، ويضرب به المثل في ورعه وزهده، قال الشاعر في الثناء عليه ومدحه: (عياض وما عياض بن غنم... كان من خير من أجن النساء).([62]) فالإنكار السري على الحاكم جائز، لا سيما إن كان ممن يتحرون العدل وعرفوا به، والإشكال في حصر الإنكار على الحاكم في السرية دائما وأبدا وتبديع غيرها.

رابعا: يحمل هذا الحديث على المنكر الخاص، بخلاف ما لو كان عاما متعديا على النظام الإسلامي وعلى الناس، وبهذا يتوافق هذا الحديث مع أدلة الشريعة الأخرى ولا يتعطل كما قال ابن تيمية: (فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة كما قال النبي : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" فإن كان الرجل متسترا بذلك؛ وليس معلنا له أنكر عليه سرا وستر عليه كما قال النبي : "من ستر عبدا ستره الله في الدنيا والآخرة" إلا أن يتعدى ضرره والمتعدي لا بد من كف عدوانه وإذا نهاه المرء سرا فلم ينته فعل ما ينكف به من هجر وغيره إذا كان ذلك أنفع في الدين. وأما إذا أظهر الرجل المنكرات وجب الإنكار عليه علانية ولم يبق له غيبة ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك).([63]) وهذا في العامة والولاة كما فهم الصحابة من عموميات الآيات الحديث التي فيه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه من العقوبات التي لا يصح التفريق فيها بين الحاكم والمحكوم، كالحدود كما قال الإمام مالك: (ما تعمد الإمام من جور فجار به على الناس فإنه يقاد منه، وقد أقاد رسول الله وأبو بكر وعمر من أنفسهم).([64])  وقد أقام عثمان رضي الله عنه الحد على الأمير الوليد بن عقبة.([65]) وقال ابن حزم: (الإمام الواجب طاعته مما قادنا بكتاب الله تعالى وبسنة رسول الله الذي أمر الكتاب بإتباعها، فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك وأقيم الحد والحق، فإن لم يؤثر أذاه إلا بخلعه خلع وولي غيره).([66])

وقال ابن تيمية في إثبات إقامة الحد على الإمام: (الأئمة لا يقاتلون بمجرد الفسق، وإن كان الواحد المقدور قد يقتل لبعض أنواع الفسق: كالزنا وغيره) ([67])، وقال أيضا: (السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من الحقوق مع التمكن).([68])

2 ـــ استدل ابن ريس بحديث: تميم الداري أنّ النبي قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). قال ابن ريس: (ووجه الدلالة أن النبي غاير بين ولاة الأمور وغيرهم فدل على أن نصحهم يختلف من غيرهم).

والرد عليه أنه ليس في الحديث أي دلالة على ما ذهب إليه ابن ريس من أنّ الولاة لا ينكر عليهم علانية أو إلا أمامهم؛ لأنّ المقصود بالنصيحة هنا ليس المقصود بها المعني المتعارف عليه، بل هي كلمة جامعة لمعان عظيمة، تدل على الإخلاص ببذل الوسع بالقيام بما يجب في حق الله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم، ولذا حصر الدين في النصيحة.

فالإسلام جعل القيام بما يجب في حق الإمام والأمة من الدين بل حصره فيه، وهذا بخلاف ما يقال: (إن من السياسة ترك السياسة) كما يعيبه ابن ريس على الدكتور حاكم بانشغاله بالسياسة بزعمه!

وأئمة المسلمين من الأمراء في الحديث هم في الأصل المقسطون الذين اختارهم المسلمون وقاموا بالإسلام وعدلوا بين الناس، فمن الدين النصح لهم بالطاعة والنصرة، وأيضا من النصيحة لهم القيام عليهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال النووي: (وأما قوله فقد قضى ما عليه ففيه تصريح بالإنكار أيضا من أبى سعيد وأما قوله فليغيره فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة ولا يعتد بخلافهم).([69]) كذلك من الدين النصح لعامة المسلمين من العلماء والمصلحين ببيان الحق وكشف الباطل لهم، ونصرة مظلومهم ولو كان الظالم هي السلطة نفسها، وهذا ما كان عليه السلف في صدر الإسلام.

وكما أنّ الإسلام حث على النصح لأئمة المسلمين العدول والقيام بحقوقهم، كذلك حذّر من أئمة الجور وحثّ على التصدي لهم وجهادهم بأحاديث كثيرة، ومن ذلك ما ذكره ابن حبان في صحيحه عند باب: (ذكر تخوف المصطفى على أمته مجانبتهم الطريق المستقيم بانقيادهم للأئمة المضلين) فذكر حديث شداد بن أوس قال: قال نبي الله : (إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين).([70]) وحديث أبي الدرداء أنّ النبي قال: (غير الدجال أخوف على أمتي من الدجال الأئمة المضلون).([71]) وحديث أبي محجن الثقفي أنّ النبي قال: (أخاف على أمتي من بعدي ثلاثا: حيف الأئمة...).([72]) وقد ذكر الموصلي في كتابه إتحاف الخيرة أحاديث الأئمة المضلين في كتاب الإمارة.

وإنما حذّر النبي من الأئمة المضلين وخاف على أمته أكثر من الدجال عليهم؛ لأنّ فسادهم فساد للأمة جميعا وللدين والدنيا وقد قيل: (كما يولى عليكم تكونوا)، وفي البخاري قيل لأبي بكر: (ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم).([73]) وقال عمر عند موته: (اعلموا أنّ الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم).([74])

و قال عمر أيضا عندما جيء بكنوز كسرى للمدينة: (إنّ قوما أدوا هذه لأمناء، فقال علي: يا أمير المؤمنين، عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت؛ لرتعوا).([75])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومعلوم أنه إذا استقام ولاة الأمور الذين يحكمون في النفوس والأموال استقام عامة الناس كما قال أبو بكر الصديق فيما رواه البخاري في صحيحه للمرأة الأحمسية لما سألته فقالت: "ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح "؟ قال: " ما استقامت لكم أئمتكم " وفي الأثر "صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء" أهل الكتاب وأهل الحديد كما دل عليه قوله: {لقد أرسلنا} الآية. وهم " أولو الأمر " في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. وكذلك من جهتهم يقع الفساد كما جاء في الحديث مرفوعا وعن جماعة من الصحابة "إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون". فالأئمة المضلون هم الأمراء).([76])

فواجب الأمة كبير للحفاظ على صلاح السلطة وتقويمها بكل وسيلة مشروعة، فإن كانت السلطة عادلة يكون الأصل تقويمها بالنصح والرفق لأنّ الحق غايتها، وإن كانت جائرة، فيكون تقويمها باليد أو باللسان أو بالقلب، وقد سمّا النبي ذلك كله جهادا.

3 ــــ استدل ابن ريس بما جاء عن سعيد بن جبير: (قال: قلت لابن عباس: آمر إمامي بالمعروف؟ قال: إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت ولا بد فاعلا، ففيما بينك وبينه)، (وزاد أبو عوانة: ولا تغتب إمامك).([77]) وعند البيهقي قال: (وزاد أبو عوانة ولا تعب إمامك).([78])

والجواب على هذا الأثر من وجوه:

أولا: أنّ الاستدلال بهذا الأثر على وجوب السرية في الإنكار على الحاكم دائما وأبدا يخالف عموم النصوص، وعمل الصحابة، وإجماعهم على جواز الإنكار العلني على الحاكم، وابن ريس ممن يقرّ بهذا الجواز كما مر معنا.

ثانيا: كلام ابن عباس هنا من باب التوجيه ومراعاة المصلحة في حق تلميذه ابن جبير، وليس ذلك منه تشريعا عاما لكل أحد ولكل زمان، فهي حالة عين للأخذ بالرخصة فلا تعمم؛ والإنكار على أئمة الجور باليد واللسان ليس فرض عين، وقد تنوعت طرق الإنكار في الشريعة من اليد إلى اللسان إلى القلب وبالسر والعلن، وابن جبير هنا يستشير شيخه ابن عباس في الإنكار العلني كما هو فعل كبار الصحابة، فأرشده بالترك إن ترتب عليه القتل والتعذيب، ولعدم المصلحة في حق ابن جبير كما يراه ابن عباس؛ وذلك بخسارة الأمة لعلمه الذي تلقاه من ابن عباس، وقد عرف ابن عباس بذكائه حرص تلميذه على هذه الشعيرة العظيمة، فقال موجها له للمرتبة الأخف ضررا: (فإن كنت ولا بد فاعلا ففيما بينك وبينه)، وابن عباس أدرك الزمن الذي تسلط فيه أئمة الجور على حق الأمة بالسيف من غير شورى، ومُنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقُمع فيه العلماء والمصلحون، وأُخذ بالرخصة والتقية والإنكار القلبي، قال الجصاص ت370هـ: (الحديث الأول في الاقتصار على إنكار المنكر بالقلب دون اليد واللسان؛ للتقية والخوف على النفس ولعمري أنّ أيام عبدالملك والحجاج والوليد وأضرابهم كانت من الأيام التي سقط فيها فرض الإنكار عليهم بالقول واليد لتعذر ذلك والخوف على النفس).([79])

وقد جاء عن طاووس أنه قال: (أتى رجل إلى ابن عباس، فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا، تكن لك فتنة).([80]) فتعليل ابن عباس كان لخشية الفتنة والابتلاء؛ فدله على الرخصة، ولا يريد ابن عباس من ذلك مراعاة أئمة الجور وأنّ حقهم وجوب النصيحة السرية وعدم نقدهم في غير حضرتهم، أو أنّ هذا من الابتداع في الدين كما في تأصيلات ابن ريس وسدنة الطغاة المبتدعة؛ ولذا فإنّ طلاب ابن عباس كانوا من قيادات المعارضة، وممن خرجوا على أئمة الجور سواء في مكة أو العراق ومنهم: سعيد بن جبير كما مر معنا.

فهؤلاء كبار طلاب ابن عباس لم يفهموا ما فهمه ابن ريس ومن على طريقته من سدنة الطغاة من وجوب النصيحة السرية، وأن تكون بينهم وبين الحكام، وإنما فهموا منه حثهم على الأخذ بالرخصة في ظل حكم أئمة الجور الذين يقتلون الذين يأمر بالقسط من العلماء والمصلحين، وإلا فإنّ القيام بالحق والأخذ بالعزيمة بالإنكار على أئمة الجور جائز بل من الجهاد، والقتل في سبيل ذلك شهادة من أعلى مراتب الشهادات،كما قال النبي: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله).([81])

وتعريض النفس للتهلكة جائز في مقام الجهاد كما قال أبو حامد الغزالي: (لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل).([82])

وقال الجصاص: (روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال قلت يا رسول الله أي الناس أشدّ عذابا يوم القيامة قال رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ رسول الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ثم قال... وفي هذه الآية جواز إنكار المنكر مع خوف القتل وأنه منزلة شريفة).([83])

 وقال ابن تيمية: (قال مسروق: من اضطر فلم يأكل حتى مات دخل النار. وذلك لأنه أعان على قتل نفسه بترك ما يقدر عليه من الأكل المباح له في هذه الحال فصار بمنزلة من قتل نفسه بخلاف المجاهد بالنفس ومن تكلم بحق عند سلطان جائر فإن ذلك قتل مجاهدا ففي قتله مصلحة لدين الله تعالى).([84])

وقد سأل أبو بكر الأحول الإمام أحمد عن موقفه إذا حكم بالإعدام من السلطة قال: (يا أبا عبد الله، إن عرضت على السيف، تجيب؟ قال: لا).([85]) وقال: (إن عرضت على السيف لا أجيب، إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق).([86]) فقد راعى الإمام أحمد خطورة المداهنة والتقية من العلماء في زمانه في هذا الفرض، وما يترتب عليه من مفاسد على الإسلام والمسلمين، والذي لم يثبت فيه إلا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح وكان موقفهم هو موقف الأنبياء والرسل بعد أن قتلت السلطة من قتلت، وسجنت من سجنت.

وسُمع ابن طاهر شيخ الإسلام الهروي يقول: (عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك لكن يقال لي: اسكت عمن خالقك. فأقول: لا أسكت).([87])

ثالثا: ثبت عن ابن عباس نفسه الإنكار على الخليفة معاوية علنا وفي غيبته، ورواه عنه سعيد بن جبير كما عند ابن خزيمة في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: (كنا مع ابن عباس بعرفة فقال لي: يا سعيد ما لي لا أسمع الناس يلبون؟ فقلت: يخافون من معاوية، قال: فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي).([88]) وفي رواية عند البيهقي: (رغم أنف معاوية).([89])

رابعا: أما قوله: (ولا تعب إمامك) أو (ولا تغتب إمامك)، فعلى فرض صحة هذه الزيادة، فتحمل على زيادة تأكيد بما بدأه ابن عباس من إرشاد بترك المجاهرة بالإنكار العلني خشية القتل والتعرض للفتنة، وأما ذكر الأمراء أو العامة على سبيل العيب والتنقص والغيبة بغير حق شرعي فلا يجوز، وأما ذكر ما صدر منهم من منكرات مشتهرة على سبيل التحذير فجائز، وليس من الغيبة المحرمة ولا التنقص المحرم، وقد استثنى أهل العلم من الغيبة المحرمة عدة مسائل دلّ عليها الكتاب والسنة، وقد جمعت في البيت:

القدح ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر

ولمظهر فسقا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر

قال ابن حجر الهيتمي: (الأصل في الغيبة الحرمة وقد تجب أو تباح لغرض صحيح شرعي لا يتوصل إليه إلا بها).([90])

وقال الجصاص: (وإنما نهى بذلك عن عيب من لا يستحق وليس بمعيب، فإنّ من كان معيبا فاجرا فعيبه بما فيه جائز، وروي أنه لما مات الحجاج قال الحسن: اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش يمد بيد قصيرة البنان، والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله، يرحل جمته ويخطر في مشيته ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له لا قائل الصلاة أيها الرجل! ثم قال الحسن: هيهات والله حال دون ذلك السيف والسوط).([91])

فهذا الاستثناء من الغيبة عام في الأمراء وعامة المسلمين، قال القرطبي في تفسيره: (ليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المجاهر، فإن في الخبر (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له). وقال : (اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس). فالغيبة إذا في المرء الذي يستر نفسه. وروي عن الحسن أنه قال: ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب الهوى، والفاسق المعلن، والإمام الجائر).([92]) وروي عن الحسن البصري كما جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد عن عبد بن أحمد أنّ الحسن البصري قال: (ثلاثة لا غيبة لهم: الإمام الخائن، وصاحب الهوى الذي يدعو إلى هواه، والفاسق المعلن فسقه).([93]) وكان الحسن يحذر في المقابل فيقول: (من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله عز وجل).([94])

وقال سفيان بن عيينة: (ثلاثة ليست لهم غيبة: الإمام الجائر، والفاسق المعلن بفسقه، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته).([95])

وقال إبراهيم النخعي: (كانوا يقولون: ثلاثة ليست لهم غيبة: السلطان الجائر، وذو الهوى، والفاسق المعلن لفسقه).([96])

وكان النخعي: (إذا ذكر الحجاج قال: {ألا لعنة الله على الظالمين}).([97]) ويقول: (كفى به عمى، أنه يعمى الرجل في الحجاج لحاه الله).([98]) وقال عاصم بن بهدلة عن شيخ الكوفة الإمام شقيق بن سلمة أبي وائل([99]) قال: (ما رأيت أبا وائل ساب شيئا قط، إلا أنه ذكر الحجاج مرة، فقال: (اللهم أطعمه طعاما من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع).([100])

وعن الأوزاعي قال يحيى بن أبي كثير: (ثلاثة لا غيبة فيهم إمام جائر وصاحب بدعة وفاسق).([101])

وجاء في مسائل حرب الكرماني([102]) عن عبد الرحمن بن أذينة قال: (حدثنا أشياخنا قال: ثلاثة لا حرمة لهم ولا غيبة، الوالي الظالم الجائر، والفاسق المعلن بفسقه، وصاحب البدعة).([103])

ثم بوب الكرماني فقال: (أترعون عن ذكر الفاجر متى يعرفه الناس اذكروه بما فيه يحذره الناس. سألت إسحاق عن غيبة السلطان الجائر قال: لا يكون فيهم إلا ما يكره للإنسان أن يعود لسانه. حدثنا الأخضر، قال: حدثنا عارم، قال: حدثنا خالد، سمعت عبيد الله يقول في غيبة الخوارج والسلطان الذي قد أعلن لم ير لهم غيبة، فأما من يُعلَم أنه مذنب وهو يحب إن يستتر فرأى ذلك منهم غيبة).([104])

فالقدح في أئمة الجور كان معروفا عند السلف، بل وينهون عن الدعاء لهم والثناء عليهم، كبدعة الدعاة للطغاة والثناء عليهم اليوم على المنابر في الجمع والأعياد والمحافل، باسم السلفية وعقيدة السنة! قال سفيان الثوري رحمه الله: (من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله).([105])  كدعاء الحسن البصري، وقال طاووس بن كيسان بعد ظهور الإرجاء: (عجبا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنا).([106])

قال مهنا: سألت أحمد بن حنبل عن: إبراهيم الهروي، فقال: (رجل وسِخ .فقلت: ما قولك إنه وسخ؟قال: من يتبع الولاة والقضاة؛ فهو وسِخ!). قال ابن مفلح الحنبلي معلقا: (كان هذا رأي جماعة من السلف، وكلامهم في ذلك مشهور).([107])

4 ــــ وأما ما استدل به ابن ريس على تحريم نقد السلطة والإنكار عليها علنا بأثر عبد الله بن عكيم: (لا أعين على قتل خليفة بعد عثمان أبدا، قال: فقيل له: أعنت على دمه، قال: إني أعدّ ذكر مساوئه عونا على دمه).([108])

فيقال: إنّ ذكر مساوئ الخلفاء والأمراء بنقل الإشاعات الباطلة والأكاذيب المغرضة نوع من الإفساد والظلم وهو محرم في الإسلام، لا سيما إن كان ذكر المساوئ في حق الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين اختارهم الناس ورضوا بهم كعثمان رضي الله عنه، والذي يجب الدفاع عنهم ونصرتهم باليد واللسان، ولذا قال الصحابة للزبير: (يا أبا عبد الله، ما جاء بكم ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير: "إنا قرأناها على عهد رسول الله ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم} خاصة لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت).([109]) فلم يكن يتوقع الصحابة أن تصل المؤامرة إلى قتل الخليفة الراشد، وقد استغل المنافقون والمندسون كابن سبأ وغيره كل وسيلة للثورة على خليفة المسلمين الراشد، ومما استغلوه ما كان من مطالبات مشروعة وإصلاحات من الأقاليم على ما طرأ من تقصير في الخلافة في أخير أيامها، وقد أثنى عثمان على هذه الوفود التي جاءت تطالب بالإصلاحات وتعهد لهم بما طلبوه وقد حضر كبار الصحابة مجالس الوفود المعارضة وعدّوا هذا الأمر مشروعا، وكان علي وجابر بن عبد الله من الوسطاء بين المعارضة والخليفة، قال ابن جرير: (أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج قال فعرفها فقال: أستغفر الله وأتوب إليه قال: فقال لهم ما تريدون قال فأخذوا ميثاقه قال وأحسبه قال وكتبوا عليه شرطا قال وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم أو كما أخذوا عليه قال فقال لهم ما تريدون قالوا نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء فإنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله قال: فرضوا بذلك وأقبلوا معه إلى المدينة راضين قال فقام فخطب فقال: إني ما رأيت والله وفدا في الأرض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدموا علي.. ثم رجع الوفد المصريون راضين).([110])

وقال لهم علي: (تُعطون كتاب الله، وتُعّتبون من كل ما سخطتم، فأقبل معه ناس من وجوههم، فاصطلحوا على خمس: أن المنفي يُقلب، والمحروم يُعطي، ويوفَّر الفيء، ويُعدل في القسم، ويُستعمل ذو الأمانة والقوة، وأن يُرد ابن عامر على البصرة، وأبو موسى على الكوفة،كتبوا ذلك في كتاب).([111])

ثم استطاع المنافقون والمغرضون أن يدسّوا على عثمان كتابا مزورا على لسانه كان سببا في الفتنة وقتل الخليفة الراشد ظلما وعدوانا، كما قال الأشتر النخعي أحد المعارضين: (لعله مكر به وبكم).([112])

وكثير من الصحابة غائبون فمنهم من خرج للحج أو للثغور والأمصار ومن كان في المدينة أقسم عليهم عثمان أن يكفوا أيدهم ويتركوه، لتصدى لهم الصحابة المتواجدون في المدينة دفاعا عن خليفتهم الذي اختاروه، وهذا بخلاف أئمة الجور، ومغتصبي السلطة، قال الإمام مالك فيما رواه عنه ابن القاسم: (إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدفع عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره فدعه ينتقم الله من ظالم بمثله ثم ينتقم من كليهما).([113])

فأثر ابن عكيم فيه التحذير من الإساءة والتّنقص بالأقاويل الباطلة التي يروجها المغرضون على أئمة الهدى والعدل الذين يقبلون النصح وكلمة الحق وينقادون لها، كما فعلوا مع عثمان رضي الله عنه حين كانوا يتآمرون عليه ويكيدون في الأقاليم البعيدة التي يسيطرون عليها، كالكوفة التي كان يسكنها عبد الله بن عكيم، وقد أوضح ذلك الآجري في بيان سبب قتل عثمان: (الصحابة في وقتهم رضي الله عنهم، كلهم كانوا على هدى كما قال النبي ، وكلهم أنكر قتله، وكلهم استعظم ما جرى على عثمان رضي الله عنه، وشهدوا على قتلته أنهم في النار، فإن قال قائل: فمن الذي قتله؟ قيل له: طوائف أشقاهم الله عز وجل بقتله حسدا منهم له وبغيا، وأرادوا الفتنة وأن يوقعوا الضغائن بين أمة محمد ، لما سبق عليهم من الشقوة في الدنيا وما لهم في الآخرة أعظم، فإن قال: فمن أين اجتمعوا على قتله؟ قيل له: أول ذلك وبدء شأنه أن بعض اليهود يقال له: ابن السوداء ويعرف بعبد الله بن سبأ لعنة الله عليه زعم أنه أسلم، فأقام بالمدينة، فحمله الحسد للنبي ولصحابته، وللإسلام، فانغمس في المسلمين، كما انعمس ملك اليهود بولس بن شاوذ في النصارى حتى أضلهم، وفرقهم فرقا، وصاروا أحزابا، فلما تمكن فيهم البلاء والكفر تركهم، وقصته تطول، ثم عاد إلى التهود بعد ذلك، فهكذا عبد الله بن سبأ، أظهر الإسلام، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصار له أصحاب في الأمصار، ثم أظهر الطعن على الأمراء، ثم أظهر الطعن على عثمان رضي الله عنه، ثم طعن على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم أظهر أنه يتولى عليا رضي الله عنه، وقد أعاذ الله الكريم علي بن أبي طالب وولده وذريته رضي الله عنهم من مذهب ابن سبأ وأصحابه السبأية، فلما تمكنت الفتنة والضلال في ابن سبأ وأصحابه، صار إلى الكوفة، فصار له بها أصحاب، ثم ورد إلى البصرة فصار له بها أصحاب، ثم ورد إلى مصر، فصار له بها أصحاب، كلهم أهل ضلالة، ثم تواعدوا الوقت، وتكاتبوا ليجتمعوا في موضع، ثم يصيروا كلهم إلى المدينة، ليفتنوا المدينة وأهلها ففعلوا، ثم ساروا إلى المدينة، فقتلوا عثمان رضي الله عنه).([114]) وقال عنه: (ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه، حتى أتى مصر، فاغتمر فيهم).([115])

فلا يجوز أن نعطل النصوص الصريحة المتواترة وإجماع السلف في وجوب الحسبة على الحكام والسلطة بحجة أنّ المنافقين والمغرضين أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحدثوا الفتن، كما لا يجوز أن نعطل الجهاد بسبب أن الخوارج قديما خرجوا على الأمة باسم الجهاد، كما لا يجوز أن ننكر الخلافة اليوم لأنّ جماعات من الاستخبارات أعلنت الخلافة وقتّلوا الناس باسمها!

فترك النصوص المحكمة وإجماع الصحابة وطريقتهم في الإنكار على الولاة لأجل هذا الأثر المحتمل طريقة أهل الزيغ والبدع كما قال تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}.

5ــــ استدل ابن ريس بحديث أسامة بن زيد عن أبي وائل أنه قيل لأسامة بن زيد: (لو أتيت فلانا فكلمته قال: إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه).([116])

والجواب عليه من وجوه:

أولا: الاستدلال على وجوب النصيحة السرية بهذا الأثر يخالف ما جاء من إجماع الصحابة على جواز الإنكار العلني كما يقرّ به ابن ريس نفسه.

ثانيا: النصيحة السرية أو الإنكار السري جائز، بل هو الأولى إن كان فيه مصلحة مرجوة، كأن تكون النصيحة لإمام عادل كالخليفة الراشد عثمان، وفي مسائل اجتهادية كما في هذا الحديث، فالأمر المنتقد على الخليفة يخصّ عامله الوليد بن عتبه، وكان أسامة بن زيد من خاصة الخليفة، فرأى أنّ النصح السري في حقه هو الأولى وعدم إثارة الناس عليه في أمر يمكن تداركه بالنصح السري، قال العيني: (وفي التوضيح أراد أن يكلمه في شأن أخيه لأمه الوليد بن عتبة لما شهد عليه بما شهد فقيل لأسامة ذلك لكونه كان من خواص عثمان).([117])

أما من يجاهر بالمنكرات كأئمة الجور أو الطاغوت، ولا يقبلون النصيحة ولا يقبلون قول الناصحين فالحكمة والمصلحة تكون في الإنكار العلني لبيان الحق للناس، ورد الباطل، قال النووي في شرح الحديث: (وهذا كله اذا أمكن ذلك، فان لم يمكن الوعظ سرا والإنكار فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق).([118]) وقد نقل أهل العلم مذهب أسامة بجواز نقد أهل أئمة الجور علنا، قال ابن بطال: (فإن قال قائل: فإن الإنكار على الأمراء في العلانية من السنة لما روى سفيان عن علقمة بن مرثد، عن طارق بن شهاب: ( أن رجلاً سأل النبي أي الجهاد أفضل ؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر ). قال الطبري: (قد اختلف السلف قبلنا في تأويل هذا الحديث فقال بعضهم: إنما عنى النبي بقوله: ( كلمة حق عند سلطان جائر ) إذا أمن على نفسه القتل أو أن يلحقه من البلاء ما لا قبل له به، هذا مذهب أسامة بن زيد).([119]) وأيضا هذا من هدي الأنبياء والرسل، فقد دعا موسى عليه السلام ملك مصر فرعون بالرفق واللين، وعندما عرف عناده وطغيانه عامله بما يستحق فقال: {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يافرعون مثبورا} وقال داعيا على فرعون وملئه الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}.

ثالثا: أنّ رواي الحديث عن أسامة هو شيخ الكوفة أبو وائل شقيق بن سلمة لم ينزل كلام أسامة على أئمة الجور، فقد كان يسب الحجاج علنا كما نقل عنه عاصم بن بهدلة قال: (ما رأيت أبا وائل ساب شيئا قط، إلا أنه ذكر الحجاج مرة، فقال: (اللهم أطعمه طعاما من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع).([120])

رابعا: مر معنا أن عثمان أثنى على الوفود المعارضة له، وكان بحضور كبار الصحابة، وقد وعدهم بالإصلاحات، وقام عثمان خطيبا بعد أن رحلوا وقال: (ما رأيت ركبا كانوا في نفس أمير المؤمنين خيرا من هؤلاء الركب، والله إن قالوا إلا حقا وإن سألوا إلا حقا).([121])

فلم ينتقد الصحابة أصل الاعتراض السلمي والمطالبة بالإصلاحات؛ ولهذا أثنى عثمان عليهم ووعدهم بالإصلاح، وكان ذلك بإقرار الصحابة في عاصمة الخلافة، وكان الوسيط بينهم علي بن أبي طالب، وهؤلاء المعترضون ليسوا سواء منهم المخلصون الصالحون، ومنهم المنافقون المندسون، ومنهم الذي غرر به وجرّ إلى الفتنة، وبهذا يعرف تلبيس ابن ريس وكذبه حين زعم أنّ الشيخ حاكم يؤيد ويثني على قتلة عثمان، حيث قال الريس وهو يذرف دموع التماسيح: (هذا الثناء على الثوار الذين ثاروا على عثمان موبقة ما كنت أصدقها لو لا أني قرأتها، وهذه الثورة باطلة جائرة؛ فهي على خليفة راشد عادل، فإنها لو كانت على ظالم فاسق لكانت محرمة، فكيف على راشد عادل؟!).([122])

وقد قال الشيخ حاكم في كتاب الحرية عند ذكر حادثة عثمان ما نصه: (لقد انحرفت الحركة عن أهدافها الإصلاحية، وتجاوزت حدود ما أنزل الله، وأخطأت الطريق بعد ذلك، وليست العبرة بتصرفات المعارضين، وليسوا قدوة، ولا أسوة، وإنما القدوة والأسوة في تعامل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه معهم وعدم استباحته قتالهم، أو اضطهادهم، لعلمه بأنه لا يحل له ذلك لمجرد معارضتهم له، ومطالبتهم بإصلاح ما يرونه يحتاج إلى الإصلاح. ولهذا قالت عائشة - رضي الله عنها - عندما بلغها خبر كاذب وهي في مكة؛ أن عثمان رضي الله عنه قتل الوفد المصري: "إنا لله وإنا إليه راجعون! يقتل قوماً جاءوا يطلبون الحق وينكرون الظلم، والله لا نرضى بهذا").([123])

 وقال أيضا في رده على سليمان الخراشي زميل ابن ريس في شبهته أن الدكتور يثني على من خرج على عثمان: (زعمه بأنني أثنيت على الخوارج الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه! مع أنني نقلت بالروايات الصحيحة عن عثمان نفسه أنه أثنى على القوم الذين اعترضوا على سياسته بعد أن عقد معهم اتفاقية سياسية التزم بموجبها بتحقيق ما طلبوه منه كتغيير أمراء الأقاليم وقسم الفيء بالسوية ورد من تم نفيهم إلى بلدانهم فقام عثمان رضي الله عنه وخطب في المسجد وقال: (والله ما رأيت وافدا خيرا منهم إن قالوا إلا حقا وإن سألوا إلا حقا) وقد كان فيهم زيد بن صوحان والأشعث النخعي وكميل بن زياد وجماعة من كبار التابعين من العلماء وأبطال الفتوح وهذه حقائق تاريخية لا يمكن نفيها بقول الحسن البصري وغيره على فرض صحة أنه قال ذلك، ومما يشكل على ما ذكره الشيخ الناقد موقف علي رضي الله عنه من الذين خرجوا على عثمان فقد جعل علي حين صار خليفة قادة المعارضة بعد ذلك أمراء على أقاليم الدولة وقادة لجيوشه ومنهم الأشتر النخعي ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن حذيفة وكميل بن زياد وغيرهم وكانوا أكثر جيشه، ولا تفسير لهذا الموقف إلا القول بأن رأي علي فيهم يختلف عما شاع في الثقافة الأموية بعد ذلك، فقد فرق علي رضي الله عنه بين قادة المعارضة الذين لم يشتركوا في قتل عثمان ولم يرضوا قتله وهم أكثر المعارضة، ومن اشتركوا في قتله وهم الذين توعد علي رضي الله عنه بالقصاص منهم ولعنهم وذمهم وكانوا شرذمة قليلة لم تعرف أعيانهم ولهذا لم يستطع علي أخذ القصاص منهم لعدم معرفته بمن تسور على عثمان وقتله يقينا، فمن الخطأ الخلط بين الفريقين وإلا كان علي نفسه متهما حيث جعل من المجرمين القتلة قادة للدولة والجيش وهي التهمة التي اتهمه بها بعض من ثاروا لأخذ القصاص بدم عثمان مع براءته رضي الله عنه من تلك التهمة.

والمقصود أن عثمان نفسه أثنى على قادة المعارضة الذين أنكروا المنكر وتصدوا للظلم الذي لا علم لعثمان به لكبر سنه واتساع دولته، وكذا زكاهم علي حين اختارهم أمراء لدولته وجيشه مع شدته بالحق وعدم خشيته في الله لومة لائم فلا يقبل الاعتذار عن علي رضي الله عنه بأنه اختارهم مكرها أو أنه كان عاجزا أو أنه كان يراعي مصلحة في الوقت الذي لم يتردد في خوض حرب الجمل وصفين فدل ذلك على أن القضية لا تفهم على النحو الاختزالي الذي عرضه الشيخ الخراشي ولا بد من عرضها عرضا موضوعيا وتفسيرها تفسيرا علميا معقولا يرفع الشبهة والتهمة عن علي وعثمان رضي الله عنهما).([124])

خامسا: يستفاد من حديث أسامة الذي استدل به الريس على مشروعية عقد المجالس لنقد السلطة بما يراه الناس من أخطاء ظاهرة، مع السعي بما أمكنهم لإصلاحها، وهذا ما حصل مع أسامة بن زيد فيما دار بينهم من حديث وفيما طلبوه من أن يكلم الخليفة، ولم ينكر أسامة عليهم هذا الأمر ولم يعدّه من الغيبة والفتنة والخروج الذي أوله كلمة! قال ابن حجر في فوائد الحديث: (تبليغهم ما يقول الناس فيهم (أي الأمراء) ليكفوا ويأخذوا حذرهم).([125]) إلا أنّ أسامة اعتذر بأنه يكلم الخليفة ولا يخبر الناس بذلك؛ لما يراه من مصلحة، ولمكانته من الخليفة حيث إنه من خاصته.

سادسا: يستفاد من الحديث أنّ الناس تنظر لمواقف العلماء والإصلاحيين من أخطاء السلطة وتقيمها، وهذا ما ظنوه بأسامة أنه سكت ولم ينكر، وهو في أمر اجتهادي، فكيف بمن يسكت أمام الناس على منكرات وجرائم السلطة المعلنة في حق الشريعة والناس!

فعلم من ذلك أنّ اكتفاء العلماء والمصلحين بالنصيحة السرية للحاكم على منكرات السلطة العلنية فيه مفاسد كثيرة منها:

1 ـــ أنّ النصيحة السرية على المنكرات العلنية تكون سببا لتقبل هذه المنكرات، وتقبل المجتمع للظلم والطغيان الظاهر، وهذا يؤدي لاستحقاق المجتمع لمقت الله وعقابه بسبب سكوتهم على المنكر كما قال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}. وقال النبي :(والذي نفس محمد بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم).([126]) وقال : (إنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).([127])

2 ـــ يكون أهل العلم والإصلاح في موضع التهمة أمام الأمة بالمداهنة والنفاق والجبن.

3 ـــ أنّ هذه الطريقة مخالفة طريقة السلف من قول الحق والصدع به حيث كانوا.

4ـــ النصيحة السرية على المنكرات العلنية من السلطة وسكوت الناس تكون سببا في تماديها في نشر باطلها، وأما الوقوف في وجهها فيكون سببا في ردعها وإعانتها على ترك المنكر، قال المأمون: (لولا مكان يزيد بن هارون، لأظهرت أنّ القرآن مخلوق).([128])

5 ــــ النصيحة السرية مع استمرار السلطة في نشر باطلها لا يمنع باطلا ولا ينشر حقا، ويكون سببا في تضليل الناس والاضرار بهم، ولهذا قال الإمام أحمد عندما طلب منه السكوت ومداهنة السلطة في تقرير باطلها: (إن عرضت على السيف لا أجيب، إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق).([129]) وقال بلال بن سعد([130]): (إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها فإذا أعلنت ولم تغير أضرت بالعامة).([131])

6 ــ النصيحة السرية وحدها بين العلماء والمصلحين والسلطة دون إشراك الناس تكون سببا في تلاعب السلطة في العلماء المخلصين بالخداع والأكاذيب، ومن ثمّ تضليل الناس معهم، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، ومنها أنّ المأمون كان حريصا على إظهار مسألة خلق القرآن، ولكنه يخشى ثورة الناس عليه بسبب طاعة الناس ليزيد بن هارون الذي كان يصدع بالحق، وعندما أراد المأمون خداع ابن هارون فطن له ابن هارون وأشرك معه الناس قال المأمون: (لولا مكان يزيد بن هارون، لأظهرت أنّ القرآن مخلوق. فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، ومن يزيد حتى يتقى؟ فقال: ويحك! إني أخاف إن أظهرته فيرد علي يختلف الناس، وتكون فتنة، وأنا أكره الفتنة. فقال الرجل: فأنا أخبر ذلك منه، قال له: نعم. فخرج إلى واسط، فجاء إلى يزيد، وقال: يا أبا خالد، إنّ أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول لك: إني أريد أن أظهر خلق القرآن، فقال: كذبت على أمير المؤمنين. أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه. فإن كنت صادقا، فاقعد. فإذا اجتمع الناس في المجلس، فقل. قال: فلما أن كان الغد، اجتمعوا. فقام، فقال كمقالته، فقال يزيد: كذبت على أمير المؤمنين، إنه لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه، وما لم يقل به أحد. قال: فقدم، وقال: يا أمير المؤمنين، كنت أعلم، وقص عليه، قال: ويحك يلعب بك!!).([132])

وأذكر قصة سمعتها من الشيخ ابن عثيمين تبين هذا المعنى حيث قال: ( كان أحد الحكام الطغاة قد حكم بإعدام أحد العلماء المصلحين وقد غضب الناس على هذا الحكم الظالم، ثم دخل أحد العلماء المخلصين لمناصحة الطاغية سرا ويطلب الشفاعة في العفو، وأراد هذا الطاغية أن يتراجع عن قراره بعد غضب الناس فوافق بالعفو بشرط أن يقوم هذا العالم بجلده أمام الناس، فوافق هذا العالم واجتمع الناس في الساحة للتنفيذ، وعندما بدأ هذا العالم بجلد المصلح هاج الناس وأخذوا يلعنون هذا العالم)!

الإنكار على السلطة من الجهاد وليس من الغيبة:

من تضليل ابن ريس أيضا أنّه جعل الأدلة والنصوص وأقوال السلف وما جاء فيها من تأصيل لحق الأمة في الحسبة على السلطة ونقدها والاعتراض على سياستها؛ فعدّ هذا الطرح وهذا التأصيل كله في خانة السب والتنقص والغيبة، وإشاعة العيوب المؤدية للخروج!

فمن شدّة حماسة ابن ريس للذود عن أنظمة الطاغوت وحكومات الاحتلال أنه جعل نقدها على ممارساتها من الغيبة المحرمة فقال: (أنّ نشر أخطاء وعيوب المسلمين منهي عنه؛ لأنه من الغيبة، فكيف بولي الأمر، هذا على فرض أنها حقّ، فكيف إذا كانت كذبا أو مبالغة فيها).([133])

وقال الريس: (التأصيل السابع: حرمة إشاعة عيوب ولاة الأمور وإظهارها ولو باسم النصيحة، ويدل لهذا أنّ إظهار عيوبهم وأخطائهم سبب لشحن النفوس عليهم، المؤدي للخروج عليهم؛ والوسائل المؤدية للمحرم محرمة لأنّ للوسائل أحكام الغايات).([134])

فإن قلت إن المراد من نقد السلطة هو تقويمها والنصح للأمة والتحذير من فساد الحاكم والسلطة كما هو مقرر في الشريعة، فيقول ابن ريس: (هذا حق لكنه في عامة الناس عدا ولي الأمر؛ لما سيأتي في التأصيل الآتي من الأدلة وإجماع السلف)! ([135])

فهل يعدّ ابن ريس ما قام به الصحابة من الإنكار العلني في المساجد وخطب الجمع والأعياد والذي أجازه داخل في إظهار العيوب والأخطاء التي تشحن النفوس وتسبب الخروج؟

ولماذا نقد الدعاة والمشايخ علنا واجب لحماية الدين ومحرم في الملوك والأمراء لحماية الشريعة؟!

الرد على بدعة اشتراط حضور الحاكم وشهوده للإنكار عليه:

من البدع التي أصلها دعاة الخطاب الديني المبدل أنهم فرقوا في الإنكار بين الولاة وبقية الناس، مع أنّ الصحابة والتابعين الأوائل لم يعرفوا هذا التفريق المحدث، فقد كانوا ينكرون على الخلفاء والأمراء حيثما كانوا كما مر معنا من آثار، وكما قال عبادة بن الصامت لأبي هريرة مبينا موقفه في إنكاره على الأمير: (يا أبا هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله ؟ بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم).([136]) وكما قال أبو حامد الغزالي عند تعليقه على حديث أبي سعيد الخدري من رأى منكم منكرا... (فلقد كانوا فهموا من هذه العمومات دخول السلاطين تحتها).([137])

وأما حصرهم الإنكار الجائز بوجود الحاكم وحضوره لحظة الإنكار عليه وتحريم ما عداها، فهذه من البدع أيضا التي اضطروا إليها لحماية جناب الطغاة، ولصعوبة تحقق هذا الشرط، وهذا منهم لمواجهة كثرة الأدلة الدالة على الإنكار على الحاكم علنا، قال ابن ريس: (إنّ من خصائص ولاة المسلمين أنّ نصحهم والإنكار عليهم لا يكون إلا أمامهم).([138]) وقال: (عدم صحة مناصحة الإمام إلا أمامه لا وراءه، وأنّ الكلام من ورائه باسم النصيحة محرم وبدعة).([139])

 فهذا شرط محدث يلزم منه تعطيل حق الأمة في الحسبة على السلطة والإنكار عليها بالوسائل المشروعة، وقد جاءت النصوص عامة ونوعت الوسائل باليد أو اللسان أو القلب، وحصر الإنكار على السلطة والحاكم بالسرية أو بحضور الحاكم فهذا شرط محدث مخالف ما كان عليه السلف الذين بايعوا النبي بالقيام بالحق حيثما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم. فكان هدفهم القيام بالحق وقوله وهذا بحسب حال الحاكم وحسب المتيسر لهم سواء كان في السر أو العلن وسواء كان أمامه أو خلفه وسواء كان باللين أو بالشدّة، قال النووي عند حديث مراتب الإنكار: (قال القاضي عياض رحمه الله هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا كان أو فعلا).([140]) فمقصد الإنكار هو ردع السلطة والضغط عليها لإزالة المنكر وتحذير الناس، وهذا بحسب الوسائل المتاحة في كل زمان ومكان والمصلحة المرجوة منه،  أما تعطل هذه الشعيرة لمفاسد متوهمة كشحن نفوس الناس أو إهانة الحاكم أو الفتنة وغير ذلك من الشروط المحدثة فهذه استدراك منهم على الشريعة.

وهناك أحاديث وآثار كثيرة عن الصحابة لمن تتبعها تدل على الإنكار على الحاكم دون حضوره، منها على سبيل المثال:

1ـــ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (بعث رسول الله بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمرته، فقام رسول الله فقال: إن كنتم تطعنون في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده).([141])

ففي هذا الحديث إقرار من النبي على ما كان يصدر من بعض الصحابة من انتقادات للأمراء في غير حضرتهم، وإنما بيّن النبي أن انتقادهم في حق أسامة في غير محله، ولم يحرم عليهم أصل الفعل، ولم يقل لهم لا تعودوا لمثله فإنه يسبب الفتن والخروج.

ويستفاد منه أيضا أنّ الحاكم والحكومات عليها تفنيد ما يصدر من الناس من انتقادات في حقها بالتوضيح والبيانات، فإن كان حقا قبل منها، وإن كان باطلا تراجعت عنه وخضعت للحق، بدون أن تمارس القمع والسجون والمحاكمات!

2 ـــ حديث عوف بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول: (خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم " قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا لكم الصلاة، ألا ومن ولي عليه أمير وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فلينكر ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة).([142])

ففيه تحذير النبي ممن سيأتي بعده من أمراء الجور، وقد سأل الصحابة عن استعمال الخروج المسلح لمواجهة هؤلاء الأمراء الذي تأزم وضع الأمة معهم، ووصل إلى السخط من أفعالهم ولعن ذواتهم، فنهاهم النبي عن الخروج بالسيف مالم يصل أمرهم لنقض قواعد الإسلام، وأوصاهم باستمرار الإنكار عليهم مع عدم نقض البيعة، ولم ينههم عن بغضهم وسبهم للأمراء ونقدهم الذي هو من مظاهر الإنكار وإفشائه في المجتمع.

3ــ كلم أمير الشام معاوية أبا هريرة فقال له: (ألا تمسك عنا أخاك عبادة بن الصامت: إما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وإما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا فأمسك عنا أخاك، فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال: يا عبادة ما لك ولمعاوية؟ ذره وما حمل فإن الله يقول: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} قال: يا أبا هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه ما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة، ومن وفى وفى الله له الجنة بما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، فلا يكلمه أبو هريرة بشيء، فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة أن عبادة بن الصامت قد أفسد علي الشام وأهله، فإما أن يكف عنا عبادة بن الصامت، وإما أن أخلي بينه وبين الشام، فكتب عثمان إلى فلان أدخله إلى داره من المدينة، فبعث به فلان حتى قدم المدينة فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين بعينه ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين فلم يهم عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار، فالتفت إليه فقال: ما لنا ولك يا عبادة؟ فقام عبادة قائما وانتصب لهم في الدار فقال: إني سمعت رسول الله أبا القاسم يقول: سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله، فلا تضلوا بربكم. فوالذي نفس عبادة بيده، إن فلانا لمن أولئك فما راجعه عثمان بحرف).([143])

فهذا الصحابي الجليل الذي بايع النبي كان ينكر على معاوية حيثما كان على ما يراه من منكرات وقد أقرّه أبو هريرة وعثمان رضي الله عنهم ولم يقولوا إنك خالفت السنة في نقدك على ما يصدر من الولاة في المساجد، ولم يخطر ببالهم اشتراط ابن ريس المحدث!

4 ـــ وفي قصة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه المشهورة عندما رأى امرأة معها صبيان، لها وقدر منصوبة على النار، وصبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، وكره أن يقول يا أصحاب النار، قالت: وعليك السلام قال: أأدنو قالت: أدن بخير أو دع، فدنا فقال: ما بالكم، قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون، قالت: الجوع، قال: وأي شيء في هذه القدر، قالت: ماء أسكتهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر قال: أي رحمك الله ما يدري عمر بكم! قالت: يتولى أمرنا ويغفل عنا). وبعد أن أكرمها وأطعمها وعيالها ولم تعرفه بعد قالت: (جزاك الله خيرا أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين).([144])

فهذه المرأة في صدر الإسلام تنتقد الخليفة العادل رأس السلطة بما هو متاح لها، ولم يقل لها أمير المؤمنين عمر ألا تعلمي يا أمة الله أنّ نقد الولاة وبيان أخطائهم في غير حضرتهم بدعة محرمة في الإسلام!

5 ـــــ  في الصحيح عن أبي نوفل قال: (رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريش تمر عليه، والناس حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه فقال: السلام عليك، أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت، ما علمت، صواما، قواما، وصولا للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير، ثم نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله).([145]) فابن عمر رضي الله عنه يقف بموقف بطولي وينصر أخاه ابن الزبير ويثني عليه، ويثبت إيمان ابن الزبير وتقواه علانية أمام الناس، رادا على السلطة المتغلبة التي كفرته وضلّلته! قال النووي: (فيه منقبة لابن عمر لقوله بالحق في الملأ وعدم اكتراثه بالحجاج لأنه يعلم أنه يبلغه مقامه عليه وقوله وثناؤه عليه فلم يمنعه ذلك أن يقول الحق ويشهد لابن الزبير بما يعلمه فيه من الخير وبطلان ما أشاع عنه الحجاج من قوله أنه عدو الله وظالم ونحوه).([146])

فابن عمر أبطل كلام الأمير، وأنكر عليه في غيبته دون حضوره، ولم يراع الشرط المحدث الذي يؤصله ابن ريس!

6 – ما جاء في الصحيح أنّ عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال لعبد الله بن عمرو بن العاص وهو في المسجد الحرام بين الناس: (ابن عمك معاوية، يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}. قال: فسكت ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله).([147]) ولم يقل له عبد الله بن عمرو لا تتكلم على الخليفة في غيبته.

7ــــ ما جاء عن التابعي سعيد بن المسيب، عن ابن حرملة قال: (ما سمعت سعيد بن المسيب سب أحدا من الأئمة قط إلا أني سمعته يقول قاتل الله فلانا كان أول من غير قضاء رسول الله وقد قال النبي : الولد للفراش وللعاهر الحجر).([148])

وعن المطلب بن السائب بن أبي وداعة قال: (كنت جالسا مع سعيد بن المسيب بالسوق فمر بريد لبني مروان، فقال له سعيد: من رسل بني مروان أنت؟ قال: نعم.

قال: فكيف تركت بني مروان؟ قال: بخير.

قال: تركتهم يجيعون الناس ويشبعون الكلاب.

قال: فاشرأب الرسول.

قال:.. الله فلم أزل أناجيه حتى انطلق، ثم أتيت سعيدا فقلت: يغفر الله لك مشيك بدمك بالكلمة قلتها. قال: اسكت يا أحمق، فوالله لا يسألني الله بما أخذت بجفوته).([149])

وعن مطرف بن عبد الله قال: (سمعت مالكا يقول: ما كان قلب سعيد بن المسيب إلا من حديد)!([150])

فهذا سيد من سادات التابعين ينكر على السلطة أمام الناس بغير حضورها.

8 ــ عن الأعمش، قال: سمعت الحجاج بن يوسف، يقول: وهو يخطب على المنبر: ألفوا القرآن كما ألفه جبريل، السورة التي يذكر فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها النساء، والسورة التي يذكر فيها آل عمران. قال: فلقيت إبراهيم فأخبرته بقوله، فسبه وقال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد، أنه كان مع عبد الله بن مسعود، فأتى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي، فاستعرضها، فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، قال فقلت: يا أبا عبد الرحمن إن الناس يرمونها من فوقها فقال: هذا، والذي لا إله غيره، مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة).([151])قال العيني في شرح البخاري: (قوله: (قال سمعت الحجاج يقول) هذا حكاية عن الأعمش عن الحجاج لأجل إظهار خطئه، ولم يقصد به الرواية عنه).([152])

9ـــ في الصحيح عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشأم ووثب ابن الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس فأول شيء سمعته تكلم به إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش).([153])

فهؤلاء التابعون يسألون عن الأمراء وينتقدهم الصحابة في غيبتهم، قال ابن حجر في شرح الأثر: (فيه الاكتفاء في إنكار المنكر بالقول ولو في غيبة من ينكر عليه ليتعظ من يسمعه فيحذر من الوقوع فيه).([154])

10 - المسور بن مخرمة رضي الله عنه من الصحابة وممن لازم عمر وكان شديدا على الخوارج، عرف عنه الإنكار على الخليفة معاوية رضي الله عنه، وعندما قدم على معاوية قال له: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة؟ لتكلمني بذات نفسك بما تعيب علي؟ قال المسور فلم أترك شيئا إلا بينته.([155])

فلم يقل معاوية رضي الله عنه للمسور لقد ابتدعت في الإسلام في نقدك للخليفة في غير حضوره!

إبطال استدلالات اشتراط حضور الحاكم لجواز الإنكار عليه:

استدل دعاة الخطاب الديني المبدل على هذا الشرط المحدث بحديث: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).([156])

فقالوا قوله (عند) شرط لجواز الإنكار على الحاكم وعمله أن يكون بحضرته وما سوى ذلك من البدع المحرمة، وهذه ظاهرية جديدة جاءوا بها لفهم الحديث لم يسبقوا إليها، فاشترطوا العندية الحقيقة بمكان الحاكم لجواز الإنكار عليه، ثم قيدوا بهذا الشرط جميع طرق الإنكار على السلطة، ويريدون بذلك صيانة جانب الحاكم والسلطة من نقدها وبيان أخطائها بين الناس، والجواب على هذه الشبهة من وجوه:

أولا: ورد عن الصحابة والتابعين أنّهم أنكروا علناً على الخلفاء والأمراء وأئمة الجور في غيبتهم، إما بأقوالهم أو أفعالهم أو الدعاء عليهم كما مر معنا.

ثانيا: أنّ هذه الظاهرية في فهم الحديث وهذا القيد محدث لم يعرف عن أهل العلم، ولذا فقد أنزل شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث على ما كان يقوم به حسان بن ثابت من هجاء لصناديد المشركين واليهود فقال: (و كان يقول لحسان بن ثابت: "أهجهم و هاجهم" و كان ينصب له منبر في المسجد ينافح عن رسول الله بشعره و هجائه للمشركين و قال النبي : "اللهم أيده بروح القدس"  و قال: "إن جبرئيل معك ما دمت تنافح عن رسول الله " وقال: "هي أنكى فيهم من النبل"، و كان عدد من المشركين يكفون عن أشياء ممن يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان حتى إن كعب بن الأشرف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل البيت هجاهم حسان بقصيدة فيخرجونه من عندهم حتى لم يبق له بمكة من يؤويه  وفي الحديث: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر و أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل تكلم بحق عند سلطان جائر فأمر به فقتل و إذا كان شأن الجهاد باللسان هذا الشأن في شتم المشركين و هجائهم و إظهار دين الله و الدعاء إليه علم أن من شتم دين الله و رسوله و أظهر ذلك و ذكر كتاب الله بالسوء علانية فقد جاهد المسلمين وحاربهم وذلك نفض للعهد).([157])

فهنا ابن تيمية يعد هجاء حسان على سلاطين اليهود ككعب بن الأشرف بكلمة الحق عند سلطان جائر ولم يلتفت لشرط ابن ريس المحدث.

وقال المناوي في شرح هذا الحديث: (والمراد بالكلمة ما أفاد أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر من لفظ أو ما في معناه ككتابة ونحوها).([158]) وبهذا أفتت اللجنة الدائمة في السعودية: (السؤال السابع: « إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر »  ما المقصود بهذا الحديث ومتى يطبق؟

الجواب: معناه أن إبلاغ السلطان الظالم الحق بالمشافهة أو الكتابة ونحوهما أفضل أنواع الجهاد، قال المناوي في شرح الجامع الصغير: " لأن ظلم السلطان يسري إلى جم غفير، فإذا كفه فقد أوصل النفع إلى خلق كثير بخلاف قتل الكافر". ا هـ، وهو من مناصحة ولاة الأمور في كل زمان لمن قدر عليه مع العلم والحلم والصبر. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم).([159])

فالكتابة ونحوها تنافي العندية الحسية التي يشترطها ابن ريس وغيره تمسكا بظاهر الحديث.

ثالثا: قول النبي : (عند سلطان جائر) قيد أغلبي خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، ولهذا أمثلة كثيرة في الكتاب والسنة وكلام العرب، ومن ذلك قول الله: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة}. فأضعاف مضاعفة قيد أغلبي ليس له مفهوم، ولا يؤثر في الحكم. ومنه قول ابن عمر أنّ النبي : (نهى أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه).([160]) فقوله: (ويجلس فيه) قيد أغلبي لا مفهوم له، فلو جلس في غيره لا يتغير الحكم، ولكنّ هذا هو الغالب، أنّ يقيمه ويجلس هو مكانه.

فقوله: (عند سلطان جائر) هذا قيد أغلبي؛ لأنّه كان الغالب أنّ قول الحق والصدع به أمام أئمة الجور سواء في مجالسهم الخاصة أو الأماكن العامة وهو الأمر المتاح في ذلك الوقت، وأما اليوم فقد تنوعت الوسائل بالإنكار على أئمة الجور والتي لها حكم كلمة الحق بحضورهم، وبه يحصل المطلوب، وهذا كالقناة التلفزيونية أو عبر برامج التواصل وغير ذلك، وقد بين أهل العلم في شرح هذا الحديث أن هذه الفضيلة حصلت لأمرين:

1 ـ تعريض المنكِر نفسه للخطر والهلكة، وهذا الأمر متحقق فيمن ينكرون على أئمة الجور عبر هذه الوسائل الحديثة فهم في قبضتهم وتحت أيديهم، ولهذا نجد أن من يصدع بالحق على أئمة الجور عبر هذه الوسائل هم أكثر الناس عرضة للبطش والسجون! وقد صارت كلمة الحق في هذا الحديث أفضل الجهاد بسبب المخاطرة، كما قال المناوي: (عند سلطان جائر ظالم فإن ذلك أفضل من جهاد الكفار لأنه أعظم خطرا).([161])

وقال ابن علان: ("كلمة عدل" أي: من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ردّ عن محترم من نفس أو مال أو نحو ذلك، "عند سلطان جائر" وإنما كان أفضل الجهاد؛ لأنه يدل على كمال يقين فاعله، وقوة إيمانه وشدّة إيقانه، حيث تكلم بتلك الكلمة عند ذلك الأمير الجائر المهلك عادة بجوره وظلمه، ولم يخف منه ولا من جوره وبطشه، بل باع نفسه من الله وقدم أمر الله وحقه على حق نفسه، وهذا بخلاف المجاهد للقرن فإنه ليس في المخاطرة كمخاطرة من تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر).([162])

2ـــ إظهار الحق للناس وبيان الباطل، وهذا الأمر متحقق في مثل هذه الوسائل بعيدا عن قصر السلطان، قال الماوردي: (إن كان في إظهار النكير إعزاز دين الله تعالى، وإظهار كلمة الحق، حسن منه النكير مع خشية الإضرار والتلف، وإن لم يجب عليه، إذا كان الغرض قد يحصل له بالنكير وإن انتصر أو قتل. وعلى هذا الوجه قال النبي: "إن من أفضل الأعمال كلمة حق عند سلطان جائر").([163])

وقال الطيبي في شرح الحديث: (وإنما كان أفضل؛ لأنّ ظلم السلطان يسري في جميع من تحت سياسته وهو جم غفير، فإذا نهاه عن الظلم فقد أوصل النفع إلى خلق كثير بخلاف قتل كافر).([164])

أما إن قال ابن ريس ومن على طريقته إنّ هذه الوسائل فيها إهانة للحاكم أو تهييج الناس وشحن النفوس على الولاة، فيقال إن هذه الاحترازات موجودة في الصورة التي تجيزونها وهو الإنكار العلني على الحاكم بحضوره ولو بين الجماهير وكذا على البث التلفزيوني المباشر للملايين!

ثم إنّ الفتن لا تدفع بإبطال ما جاءت به الشريعة وحثت عليه، أو رد ما كان عليه سلف الأمة، بل الفتنة تكمن في إهمال هذه النصوص، والسكوت عن مواجهة الظلمة والأخذ على أيديهم كما قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، وكما قال النبي : (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).([165])

ولهذا نجد اليوم أنّ أكثر الدول استقرارا هي التي يوجد فيها نقد للسلطة ومعارضة حقيقية لها، وفيها رقابة سواء عن طريق المجالس التي انتخبوها، أو إعلامهم الحر أو المنتديات العامة ومنظمات المجتمع المدني وحراك الشارع، ولم يكن لهم ذلك لو أنهم استمروا بنصح الظلمة سرا وصبروا على طغيانهم، بل تصدوا للملوك الظلمة، وتخلصوا من ظلمهم واستبدادهم، واختاروا حكوماتهم التي تمثلهم، وصدق عمرو بن العاص حينما قال عن الروم كما في الصحيح: (وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك).([166])

ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا أهمية العدل في استقرار الدول: (وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم: أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام... وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة).([167])

وكما أنّ السكوت عن الظلم وعدم الأخذ على أيدي الظلمة يورث اللعنات كما مر معنا، فإن العدل يورث البركات والرحمات، قال ابن تيمية: (أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة ولهذا يروى: " الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة").([168])

وشبهة المنع من الإنكار على السلطة خشية الفتنة أدخلها المبتدعة من المرجئة! وغيرهم، حتى قيل إن بداية الخروج كلمة!

 قال ابن مفلح الحنبلي عند حديثه عن الإنكار على الحاكم: (المرجئة وأهل الفجور قد يرون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظنا أن ذلك من باب ترك الفتنة).([169])

رابعا: أن كلمة (عند) في لغة العرب لا تعني ظرف المكان والعندية الحسية دائما، وهذا ما بيّنه عالم العربية ابن هشام حيث قال: إن كلمة (عند) كما أنها تكون للحضور الحسي، تكون للحضور المعنوي، والغائب، وظرفا للمعاني، نحو قوله تعالى: {قال الذي عنده علم من الكتاب}. وقوله: {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار}. وتقول: (هذا القول عندي صواب) و (عندي مال وإن كان غائبا).([170])

خامسا: إذا سلمنا أنّ العندية شرط للإنكار على الحاكم فيقال: إنّ هذا الميزة في الحديث، وأنه أفضل الجهاد، وأنها خاصة في من أنكر على أئمة الجور بحضورهم، لا ينافي فضيلة الإنكار عليهم بغير حضورهم وأنه من الجهاد لعموم الأدلة الحاثة على مجاهدة أئمة الجور ومنابذتهم، ولفعل السلف كما مر معنا، ومثال ذلك كما جاء في الحديث: (أفضل الصدقة ما ترك غنى).([171]) فكون أفضل الصدقة ما ترك غنى لا ينافي فضيلة أنواع الصدقة الأخر.

لا سيما إذا قلنا بأنّ هذا الحديث ليس خاصا في أئمة الجور من المسلمين، بل يشمل بعمومه سلاطين الكافرين والمحاربين، كما استدل بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وأنزله على هجاء حسان بن ثابت لرئيس اليهود كعب بن الأشرف، وكذا من المعاصرين الشيخ صالح الفوزان حيث سئل عن الحديث فقال: (عند سلطان جائر، يعني مشافهة عنده... يقول عنده، والله جل وعلا قال لموسى وهارون {فأتياه} يعني فرعون{فقولا له قولا لينا}).([172]) وابن ريس لا يخالف بجواز نقد الكافرين وأئمة الكفر من المحاربين من غير حضورهم، وقد كان من نبي الله موسى يلعن فرعون وملأه في السر والعلن ويحرض عليهم.

7 ـــ نقل ابن ريس كلاما للشيخ ابن عثيمين يستدل به على النصيحة السرية دائما، والحقيقة أنّ للشيخ فتوى في هذا الموضوع، بيّن فيها أنّ المسألة اجتهادية وأنّ النصوص جاءت بالإنكار السري والعلني، فقد سئل الشيخ: (هناك من يقول: إن الإنكار على الولاة علنا من منهج السلف، ويستشهد بحديث أبي سعيد الخدري في إنكاره على مروان بن الحكم حينما قدم الخطبة على الصلاة، وبقوله : (ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم) وبحديث (سيد الشهداء رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) فهل هذا كلام صحيح؟ وكيف الجمع بين هذه الآثار الصحيحة وبين قوله عليه الصلاة والسلام: (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية) نرجو التفصيل في هذه المسألة، حيث إن كثيرا من شباب الصحوة يجهل الحكم الصحيح في هذه المسألة، وبخاصة أنّ هناك من الدعاة من يقول: إنّ الإنكار على الولاة علنا من منهج السلف، مما يجعل الشباب يثور ويظن أنّ عدم الإنكار علنا دليل المداهنة في الدين وغير ذلك، ولما لهذه المسألة من خطورة، نرجو التفصيل وجزاكم الله خيرا؟

الجواب: هذا السؤال مهم، وجوابه أهم منه في الواقع، ولا شك أن إنكار المنكر واجب على كل قادر عليه،... ولكن يجب أن نعلم أن الأوامر الشرعية في مثل هذه الأمور لها مجال، ولا بد من استعمال الحكمة، فإذا رأينا أن الإنكار علنا يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علنا، وإذا رأينا أن الإنكار علنا لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سرا، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علنا فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سرا فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير. وأقول لكم:إنه لم يضل من ضل من هذه الأمة إلا بسبب أنهم يأخذون بجانب من النصوص ويدعون جانبا، سواء كان في العقيدة أو في معاملة الحكام أو في معاملة الناس، أو في غير ذلك... كذلك أيضا في مسألة مناصحة الولاة، من الناس من يريد أن يأخذ بجانب من النصوص وهو إعلان النكير على ولاة الأمور، مهما تمخض عنه من المفاسد، ومنهم من يقول: لا يمكن أن نعلن مطلقا، والواجب أن نناصح ولاة الأمور سرا كما جاء في النص الذي ذكره السائل، ونحن نقول: النصوص لا يكذب بعضها بعضا، ولا يصادم بعضها بعضا، فيكون الإنكار معلنا عند المصلحة، والمصلحة هي أن يزول الشر ويحل الخير، ويكون سرا إذا كان إعلان الإنكار لا يخدم المصلحة، لا يزول به الشر ولا يحل به الخير).([173])

وقد سأل مجموعة من المشايخ والقضاة والدعاة في دولة البحرين الشيخ عبد الرحمن البراك من كبار العلماء في السعودية ([174]) عن إظهارهم الإنكار على الملك البحريني، وعلى دولتهم علانية في الساحات العامة وأمام الناس بعد أن كانوا ينكرون عليهم سرا زمنا طويلا! في مسائل منها ترخيص بيع الخمور واستباحتها، وتقنين الدعارة وغيرها من الكبائر، وقد اعترض عليهم بعض ممن هم على طريقة ابن ريس وعدّوهم من الخوارج! وأنّ هذه الطريقة مخالفة للسلف وتثير الفتن، فكتب هؤلاء المشايخ بيانا قرأوه على الشيخ البراك جاء في مستهله: (إن قام ولي الأمر بالمنكر سراً يكون الإنكار عليه سراً، بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق واللين، فإنه أدعى للقبول، أما إن قام بالمنكر علانية، فيبدأ بالإنكار عليه سراً أيضاً، بالموعظة والتحذير من العاقبة في الدنيا والآخرة. فإن لم يستطع الإنكار عليه سراً، أنكر عليه علانية أمامه، فإن عجز أنكر عليه كيف أمكنه لئلا يضيع أصل الحق، فإن حق الله تعالى لا يسقط، خاصة في الموبقات العظيمة، والتي خطرها يتعدى إلى عامة الناس، كتقنين الدعارة وبيع الخمور، وبناء المعابد الوثنية والكنائس التنصيرية، التي تستهدف أبناء وبنات الجزيرة العربية...إلخ 

 فكان جواب الشيخ البراك بعد سماعه للبيان: (أقول: حسن، بيان مبارك طيب).([175])

 

هل من السّنة لعن الطاغوت أم الدعاء له:

قرر ابن ريس أنّ من عقيدة أهل السنة الدعاء للسلاطين، بعد أن عدّ نقدهم من الغيبة المحرمة، وأن الدعاء عليهم طريقة أهل البدع، والحاكم عند ابن ريس هو من تولى الحكم بأي وسيلة وأعلن الشهادتين، وإن نصبه الاحتلال، ولم يعمل بالإسلام، بل لو حاربه وجاء بما يناقضه.

قال ابن ريس: (قرر غير واحد من أهل السنة ممن كتب في الاعتقاد مشروعية الدعاء للسلطان).([176])

والجواب عليه من وجوه:

أولا: جاءت النصوص من الكتاب والسنة بجواز الدعاء على الظلمة ومنهم الحكام وأئمة الجور ومن ذلك قوله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم}.

قال ابن عباس في تفسير الآية: (لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه). وقال قتادة: (عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو).([177])

فهذا ترخيص بنص القرآن بالدعاء على الظالمين، وأول من يدخل فيهم أئمة الجور والطغاة، والشريعة لم تفرق بين حاكم ومحكوم في الدعاء على المستحقين، بل إنّ أول من يتوجه له هذا التهديد هم أصحاب الولايات من الأمراء وغيرهم، ولذا كان النبي يحذر أمراءه على الأقاليم من هذا السلاح الخطير الذي شرعه الله للمظلومين فيقول: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب).([178])

ومن الأدلة قوله تعالى: {أن لعنة الله على الظالمين}. وقال تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين}.

قال منصور بن المعتمر: (سألت إبراهيم عن لعن الحجاج أو بعض الجبابرة([179]) فقال: ألم يقل الله ألا لعنة الله على الظالمين).([180])

وقال النبي : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم).([181])

فلم ينههم النبي عن الدعاء على أئمة الجور وبغضهم، فالأئمة العدول يحبون والظلمة يبغضون ويلعنون، قال الشيخ ابن عثيمين: (هؤلاء الأئمة الذين هم ولاة أمورنا ينقسمون إلى قسمين: قسم نحبهم ويحبوننا فتجدنا ناصحين لهم وهم ناصحون لنا ولذلك نحبهم لأنهم يقومون بما أوجب الله عليهم من النصيحة لمن ولاهم الله عليه ومعلوم أن من قام بواجب النصيحة فإن الله تعالى يحبه ثم يحبه أهل الأرض فهؤلاء الأئمة الذين قاموا بما يجب عليهم محبوبون لدى رعيتهم وقوله ويصلون عليكم وتصلون عليهم الصلاة هنا بمعنى الدعاء يعني تدعون لهم ويدعون لكم تدعون لهم بأن يهديهم الله ويصلح بطانتهم ويوفقهم للعدل إلى غير ذلك من الدعاء الذي يدعى به للسلطان وهم يدعون لكم اللهم أصلح رعيتنا اللهم اجعلهم قائمين بأمرك وما أشبه ذلك أما شرار الأئمة فهم الذين تبغضونهم ويبغضونكم تكرهونهم لأنهم لم يقوموا بما أوجب الله عليهم من النصيحة للرعية وإعطاء الحقوق إلى أهلها وإذا فعلوا ذلك فإن الناس يبغضونهم فتحصل البغضاء من هؤلاء وهؤلاء تحصل البغضاء من الرعية للرعاة لأنهم لم يقوموا بواجبهم ثم تحصل البغضاء من الرعاة للرعية لأن الرعية إذا أبغضت الوالي تمردت عليه وكرهته ولم تطع أوامره ولم تتجنب ما نهى عنه وحينئذ تلعنونهم ويلعنونكم والعياذ بالله يعني يسبونكم وتسبونهم أو يدعون عليكم وباللعنة وتدعون عليهم باللعنة إذا الأئمة ينقسمون إلى قسمين قسم وفقوا وقاموا بما يجب عليهم فأحبهم الناس وأحبوا الناس وصار كل واحد منهم يدعو للآخر وقسم آخر بالعكس شرار الأئمة يبغضون الناس والناس يبغضونهم ويسبون الناس والناس يسبونهم).([182])

فمعيار الدعاء للحاكم بالخير أو الدعاء عليه بالشر هو أفعال الحاكم نفسه، والناس شهود عليه، وهذه سنة اجتماعية فطرية، فلن تمنعهم مثل هذه الشبهات التي ينقلها ابن ريس قال المواردي معلقا على الحديث: (هذا صحيح فإن الإمام إذا كان ذا خير أحبهم وأحبوه وإذا كان ذا شر أبغضهم وأبغضوه وأصل ذلك أن خشية الله تبعث على طاعته في خلقه وطاعته فيهم تبعثهم على محبته فلذلك كانت محبته دليلا على خيره وبغضهم له دليلا على شره وقلة مراقبته).([183])

وقال النبي : (اللهم من ولى من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فأشقق عليه ومن ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فأرفق به) ([184]) . قال المناوي في شرح الحديث: (قال في الأذكار: ظاهر الحديث جواز الدعاء على الظلمة ونحوهم وأشار الغزالي إلى تحريمه وجعله في معنى اللعن.اهـ. قال الحافظ: والأولى حمل كلام الغزالي على الأولى، وأما الأحاديث فتدل على الجواز).([185])

ثانيا: ورد عن أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بالدعاء على الحكام والظلمة وأئمة الجور، بل كان من أسباب هلاك الظلمة الدعاء عليهم، لاسيما دعاء الأولياء والصالحين، من ذلك:

 1 ـــ ما جاء عن سعيد بن المسيب من الدعاء على عبد الملك بن مروان، عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد قال: (قلنا لسعيد بن المسيب يزعم قومك أنما يمنعك من الحج أنك جعلت لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعو الله على بني مروان قال فما فعلت ذلك وما أصلي لله عز و جل في صلاة إلا دعوت عليهم وأني قد حججت واعتمرت بضعا وعشرين مرة وإنما كتبت علي حجة واحدة وعمرة وإني أرى ناسا من قومك يستدينون فيحجون ويعتمرون ثم يموتون ولا يفي عنهم ولجمعة أحب إلي من حج أو عمرة تطوعا، قال علي فأخبرت بذلك الحسن فقال ما قال شيئا لو كان كما قال ما حج أصحاب رسول الله ولا اعتمروا).([186])

وجاء عن ابن المسيب في الدعاء أيضا عن ابن حرملة قال: (ما سمعت سعيد بن المسيب سب أحدا من الأئمة قط إلا أني سمعته يقول قاتل الله فلانا كان أول من غير قضاء رسول الله وقد قال النبي الولد للفراش وللعاهر الحجر).([187])

2 ـــ لما بلغ الحسن البصري قتل الحجاج لسعيد بن جبير قال: (اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه فمات).([188])

وكان الحسن يحذر من الدعاء للظلمة فيقول: (من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله عز وجل).([189])

3 ـــ وقال عاصم بن بهدلة عن شيخ الكوفة الإمام شقيق بن سلمة أبي وائل قال: (ما رأيت أبا وائل ساب شيئا قط، إلا أنه ذكر الحجاج مرة، فقال: (اللهم أطعمه طعاما من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع).([190])

4 ـــ دعاء سفيان الثوري على أبي جعفر المنصور، عن عبد الرزاق قال: (بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة، وقال: إن رأيتم سفيان الثوري، فاصلبوه. فجاء النجارون، ونصبوا الخشب، ونودي عليه، فإذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجلاه في حجر ابن عيينة، فقيل له: يا أبا عبد الله! اتق الله، لا تشمت بنا الأعداء. فتقدم إلى الأستار، ثم أخذه، وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر. قال: فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة، فأخبر بذلك سفيان، فلم يقل شيئا).([191]) قال الذهبي: (هذه كرامة ثابتة، سمعها الحاكم من أبي بكر محمد بن جعفر المزكي، سمعت السراج، عنه).([192])

كان سفيان الثوري رحمه الله يقول: (من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله).([193])

5 ـــ ما جاء عن ابن كثير في قصة دعاء الإمام أحمد على المأمون عندما جاء خبر الحكم بإعدامه قال: (جثى الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته. قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل قال أحمد: ففرحنا).([194])

  وقد نقل أبو يعلى في (الأحكام السلطانية) عن الإمام أحمد قوله في المأمون: وأي بلاء كان أكبر من الذي كان أحدث عدو الله وعدو الإسلام من إماتة للسنة؟! وكان إذا ذكر المأمون يقول: كان لا مأمون).([195])

6 ـــ دعاء الإمام البخاري رحمه الله على سلطان بخارى عندما (بعث إليه بعض السلاطين ليأتيه حتى يسمع أولاده عليه فأرسل إليه: في بيته العلم والحلم يؤتى- يعنى إن كنتم تريدون ذلك فهلموا إلي- وأبى أن يذهب إليهم. والسلطان خالد ابن أحمد الذهلي نائب الظاهرية ببخارى، فبقي في نفس الأمير من ذلك، فاتفق أن جاء كتاب من محمد بن يحيى الذهلي بأن البخاري يقول لفظه بالقرآن مخلوق- وكان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام وصنف البخاري في ذلك كتاب أفعال العباد- فأراد أن يصرف الناس عن السماع من البخاري، وقد كان الناس يعظمونه جدا، وحين رجع إليهم نثروا على رأسه الذهب والفضة يوم دخل بخارى عائدا إلى أهله، وكان له مجلس يجلس فيه للإملاء بجامعها فلم يقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه من تلك البلاد، فخرج منها ودعا على خالد بن أحمد فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه وسجن في بغداد حتى مات، ولم يبق أحد يساعده على ذلك إلا ابتلي ببلاء شديد).([196])وصدق رسول الله : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).([197])

ثانيا: كان دعاء أهل العلم للخلفاء والأمراء في ظل دولة الإسلام بالهداية والصلاح والذين هم قريبون منه؛ فقد كانوا يقيمون الإسلام ويطبقون أحكامه ويجاهدون في سبيله، ولم يكن دعاؤهم للطغاة وأكابر المجرمين بالبقاء والثناء كفرعون وملئه الذي قال فيهم موسى: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}.

ثالثا: عبارة الفضيل هذه من أكثر العبارات استخدما ليسوغ الدعاء للطغاة والظلمة والثناء عليهم، وليس فيها ما يدل على دعواهم هذه، فالفضيل رحمه الله من متصوفة أهل الحديث كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ([198])،ومن تأمل عبارته عرف مراده قال: (لو أن لي دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في الإمام قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى ما صيرتها في نفسي لم تجزني ومتى صيرتها في الإمام فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد قيل: وكيف ذلك يا أبا علي فسر لنا هذا قال: أما صلاح البلاد فإذا أمن الناس ظلم الإمام عمروا الخرابات ونزلوا الأرض وأما العباد فينظر إلى قوم من أهل الجهل فيقول: قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفعهم من تعلم القرآن وغيره فيجمعهم في دار خمسين خمسين أقل أو أكثر يقول للرجل: لك ما يصلحك وعلم هؤلاء أمر دينهم وانظر ما أخرج الله عز وجل من فيهم مما يزكي الأرض فرده عليهم. قال: فكان صلاح العباد والبلاد " فقبل ابن المبارك جبهته، وقال: يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك).([199])

فطريقة الفضيل -رحمه الله- هنا على هي طريقة أهل السلوك وأهل الخير من أهل النوايا الحسنة والأماني الصادقة؛ فصلاح السلطة صلاح للبلاد والعباد كما مر معنا، وليس في كلامه أنه يدعو للظلمة بالبقاء أو الثناء عليهم والتمجيد لهم، بل ما جاء عنه أنه يوصي أصحابه بمجانبتهم وترك ممالأتهم والركون إليهم، ويسميهم الظلمة قال: (لا يستحي أحدكم أن يأخذ مال هؤلاء الظلمة ثم يسند ظهره يقول حدثنا فلان عن فلان).([200]) ويقول: (ما ازداد رجل من ذي سلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا).([201])

رابعا: قول البربهاري([202]): (وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله... فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا لأنّ جورهم وظلمهم على أنفسهم وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين).([203])  

هذا الكلام منه رحمه الله ليس عليه دليل، وهو من أخطاء الكتاب فضلا أن يكون من عقيدة أهل السنة، وقد جاءت النصوص بالدعاء على الظلمة كما مر معنا، وهو مخالف أيضا لفعل السلف في دعائهم على الظلمة، وتحذيرهم من الدعاء لهم بالبقاء أو الثناء، أما الدعوة لهم بالصلاح والهداية فلا إشكال فيه، بل إنه يجوز الدعاء للكافر به؛ كما دعا النبي لقبيلة دوس فقال: (اللهم اهد دوسا وأت بهم).([204]) وبوب البخاري عليه فقال: (باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم).

ثم إنّ كلام البربهاري ونحوه من علماء الإسلام هو اجتهاد منهم في تنزيله على خلفاء المسلمين الذين يجاهدون الأعداء، ويحمون حصن الإسلام وعقيدته وشريعته، فلا ينزلونه على حكم الطاغوت، وحكومات الاحتلال، كما ينظّر له اليوم سدنة الطغاة والقاديانيون الجدد!

وللحديث بقية مع الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية!

 


 


( ([1]ص46.

( ([2]ص48.

( ([3]الحرية او الطوفان ص354.

)4) ص407.

( ([5]ترياق القلوب لغلام أحمد القادياني، من كتاب القاديانية للندوي.

( ([6]القاديانية للندوي.

( ([7]ص 313، 314.

( ([8]رواه مسلم (78).

([9]) أخرجه مسلم (80) وأحمد (4363) وابن حبان (1/403) واللفظ له وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان.

 ([10])صحيح البخاري (7199).

([11]) رواه أحمد في المسند لأحمد (14456) وابن حبان في صحيحه (6274) وإسناده صحيح على شرط مسلم.

([12]) رواه مسلم (4145).

( ([13]شرح مسلم (11/14).

 ([14])الحاكم في المستدرك (5530)، وفي مختصر تاريخ دمشق (4/95)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4162).

 ([15])رواه البخاري (965).

([16]) رواه مسلم (78).

([17]) الإحياء (2/316).

( ([18]شرح مسلم (2/23).

( ([19]شرح مسلم (2/23).

 ([20])الحاكم في المستدرك (5843)، وقال ابن حجر في الأمالي المطلقة ص170 (هذا حديث حسن)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1100).

([21]) أخرجه مسلم (80) وأحمد في المسند (4363) وقال أحمد شاكر إسناده صحيح، وابن حبان في صحيحه (177) واللفظ له وصححه الألباني في موارد الظمآن عند باب (الأئمة المضلين) (2/82)، وأخرجه البزار عن ابن عمر، وقال ابن حجر في الأمالي المطلقة ص 212 حديث حسن.

 ([22])جامع العلوم والحكم (2/248).

 ([23])أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (11/39)، وصححه الألباني في الجامع (3661).

( ([24]صحيح ابن حبان (6660)، وصححه الألباني في الصحيحة (3007).

 ([25])رواه مسلم (1855)، وأحمد في المسند (23981) واللفظ له قال محققه إسناده جيد رجاله رجال الصحيح.

 ([26])أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه والألباني في الصحيحة 374

 ([27])أبوداود والترمذي وصححه الألباني

 ([28])رواه أحمد (6784) وصحح إسناده أحمد شاكر، ورواه الحاكم (7036) وقال: صحيح، وصححه الذهبي.

 ([29])رواه أبوداود (4336)، والترمذي (3047) وحسنه، والطبراني في الكبير (10268).

([30]) تاريخ الطبري (2/210)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية إسناده صحيح (5/269).

 ([31])صحيح مسلم (2154).

([32]) المفهم (17/41)

 ([33])شرح الموطأ (4/466)

([34]) البخاري (1399)، ومسلم (32).

([35]) صحيح البخاري (4246).

 ([36])صحيح مسلم (1223).

( ([37]الأموال ص71.

( ([38]منهاج السنة (6/6).

 ([39])تفسير ابن كثير (2/244)، وقال إسناده جيد قوي، ونقله ابن تيمية في منهاج السنة (8/63) ورفع الملام ص23.

 ([40])إعلام الموقعين (4/144).

([41]) رواه مسلم (864).

 ([42])رواه مسلم (874).

(43) تاريخ خليفة بن خياط ص214، وتاريخ الإسلام للذهبي (2/457).

([44]) صحيح البخاري (4827).

([45]) فتح الباري (8/557).

)46) صحيح البخاري (5953) صحيح مسلم (2111).

 ([47])سير أعلام النبلاء (3/230).

 ([48])سير أعلام النبلاء (3/230).

([49]) تاريخ الإسلام (4/193).

( ([50]الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/84).

([51]) أصول الدين عبد القاهر البغدادي ص278.

( ([52]ص56.

( ([53]ص50.

( ([54]رواه مسلم (55).

( ([55]ص50.

( ([56]ص51.

( ([57]ص51.

( ([58]ص51.

( ([59]ص58.

 ([60])راجع رسالة (الجهر والإعلان بضعف حديث الكتمان في مناصحة السلطان) للشيخ أبي مروان السوداني.

 ([61])الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام ص34

([62]) قال في الاستيعاب البيت لابن الرقيات فيمن ذكره من أشراف قريش

 ([63])مجموع الفتاوى (28/217).

([64]) المدونة (4/519).

 ([65])رواه مسلم (4554).

)66) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/84).

)67) مجموع الفتاوى (22/61).

68)) مجموع الفتاوى (20/54).

 ([69])شرح مسلم (2/22).

([70])مسند أحمد (27485)، صحيح ابن حبان (4580)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان.

 ([71])أحمد في المسند (21297)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4165).

 ([72])ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1482)، وصححه الألباني في الجامع (214).

([73]) صحيح البخاري (3834).

 ([74])البيهقي في الكبرى (16428)، وأبو نعيم في فضيلة العادلين (37).

 ([75])البداية والنهاية (7/78) وفتاوى ابن تيمية (28/268)السنن الكبرى للبيهقي (6/357).

([76]) مجموع الفتاوى (10/355).

([77]) سنن سعيد بن منصور (746).

 ([78])شعب الإيمان للبيهقي (7186).

 ([79])أحكام القرآن (4/157).

([80]) شعب الإيمان البيهقي (7187).

 ([81])أخرجه الحاكم في المستدرك (4884)، وصححه والألباني في الصحيحة (374).

 ([82])إحياء علوم الدين (2/319).

([83]) أحكام القرآن (2/286).

 ([84])مجموع الفتاوى (26/181).

 ([85])سير أعلام النبلاء (11/241).

([86]) الآداب الشرعية (1/204).

 ([87])سير أعلام النبلاء (18/509).

 ([88])صحيح ابن خزيمة (2830)، والحاكم في المستدرك (1706) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني في سنن النسائي (3006).

 ([89])السنن الكبرى (9230).

 ([90])الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/248).

 ([91])أحكام القرآن (8/286).

 ([92])تفسير القرطبي (16/339).

 ([93])الزهد للإمام أحمد (1666).

 ([94])شعب الإيمان البيهقي (8986).

 ([95])شعب الإيمان البيهقي (6374).

 ([96])شرح السنة للبغوي (13/142).

 ([97])مصنف ابن أبي شيبة (30357).

 ([98])مصنف ابن أبي شيبة في المصنف (30358).

 ([99])مخضرم أدرك النبي  ولم يره.

 ([100])مصنف ابن أبي شيبة (26577).

 ([101])ذم الكلام للهروي (4/217).

 ([102])إمام من تلاميذ أحمد بن حنبل ت 280هـ، قال الذهبي عن كتابه المسائل: من أفضل كتب الحنابلة.

 ([103])مسائل حرب الكرماني (2/884).

([104]) مسائل حرب الكرماني (2/886).

([105]) حلية الأولياء لأبي نعيم (7/46).

([106]) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (30990).

( ([107]الآداب الشرعية لابن مفلح (3/476).

(108) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ((32043.

 ([109])مسند أحمد (1414).

([110]) تاريخ الطبري (4/355)، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (37690).

 ([111])رواه خليفة بن خياط في تاريخه ص 169 _170، وتاريخ الإسلام للذهبي (3/123).

112)) تاريخ الطبري (4/383).

)113) أحكام القرآن لابن العربي )7/175(.

 ([114])الشريعة (4/1978).

 ([115])الشريعة (4/1984).

 ([116])رواه البخاري (3267).

( ([117]عمدة القارئ شرح صحيح البخاري (15/166).

( ([118]شرح مسلم (18/118).

( ([119]شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/50).

 ([120])مصنف ابن أبي شيبة (26577).

([121]) تاريخ المدينة لابن شبة (3/1128).

)4) ص320.

)5) الحرية أو الطوفان ص53.

1)) رد الدكتور حاكم على ما كتبه سليمان الخراشي من تعقيبات على كتاب الحرية أو الطوفان.

([125]) فتح الباري: (13/53).

 ([126])رواه أبوداود (4336)، والترمذي (3047) وحسنه، والطبراني في الكبير (10268).

 ([127])أبوداود والترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (1973).

([128]) سير أعلام النبلاء (11/237)، ويزيد بن هارون من أئمة الحديث، وكان يعدّ من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الصادعين بالحق.

 ([129])الآداب الشرعية (1/204).

 ([130])إمام من التابعين كان لأبيه صحبة.

 ([131])إحياء علوم الدين (2/311).

 ([132])سير أعلام النبلاء (11/237).

( ([133]ص46.

( ([134]ص46.

( ([135]ص47.

 ([136])الحاكم في المستدرك (5530) وفي مختصر تاريخ دمشق (4/95) وصححه الألباني في صحيح الجامع (4162).

([137]) إحياء علوم الدين (2/316).

( ([138]ص50.

( ([139]ص313.

 ([140])شرح مسلم (2/25)

 ([141])رواه البخاري (6627)، ومسلم (2426).

 ([142])رواه مسلم (1855)، وأحمد في المسند (23981) واللفظ له قال محققه إسناده جيد رجاله رجال الصحيح.

 ([143])الحاكم في المستدرك (5530) وفي مختصر تاريخ دمشق (4/95) وصححه الألباني في صحيح الجامع (4162).

([144]) تاريخ ابن جرير (2/568).

([145]) رواه مسلم (6660).

([146]) شرح مسلم (16/98).

( ([147]صحيح مسلم (1844).

)148) حلية الأولياء (2/167)، سير أعلام النبلاء (4/238).

)149) التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة (2/130).

150)) التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة (2/131).

([151]) صحيح البخاري (3192).

([152]) عمدة القاري شرح البخاري (10/90).

 ([153])البخاري (6579).

 ([154])فتح الباري (13/73).

([155]) سير أعلام النبلاء (3/391).

 ([156])سبق تخريجه.

 ([157])الصارم المسلول ص213.

 ([158])التيسير بشرح الجامع الصغير (1/182).

 ([159])فتوى رقم (8502).

 ([160])رواه البخاري (869).

([161]) التيسير بشرح الجامع الصغير (1/236).

([162])دليل الفالحين شرح رياض الصالحين (2/184).

([163])أدب الدنيا والدين ص 96.

([164])شرح المشكاة (8/2581).

([165])انظر ص58.

([166]) صحيح مسلم (7461).

 ([167])مجموع الفتاوى (28/146).

 ([168])مجموع الفتاوى (28/63).

([169])الآداب الشرعية (1/201).

 ([170])مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ص 206.

 ([171])رواه البخاري (5040).

( ([172]فتوى من موقع الشيخ على النت.

 http://www.alfawzan.af.org.sa/ar/node/14227

([173])اللقاء المفتوح (62/10).

([174])تولى التدريس في المعهد العلمي بالرياض سنة 1379هـ وكان ينيب الشيخ ابن باز في الإفتاء أثناء غيابه، وقد عرض عليه الشيخان ابن باز وآل الشيخ للعمل في دار الإفتاء ورفض وانشغل بالتدريس.

([175]) موقع مدونة العلماء والدعاة في البحرين، وأيضا على اليوتيوب بعنوان: (ثناء الشيخ البراك على منهج التدرج في الإنكار على الولاة)، وفي موقع الشيخ:

http://www.albrrak.net/media/Barrak-praised-the-approach-gradient-in-denial-and-guardians.mp4

( ([176]ص48.

177)) تفسير ابن جرير الطبري (9/344).

178)) رواه البخاري (1496).

)179) اللعن من الخلق يأتي بمعنى السب والدعاء. قال ابن الأثير في النهاية في غريب الأثر: (وأصل اللعن: الطرد والإبعاد من الله ومن الخلق السب والدعاء).

)180)طبقات ابن سعد (6/279)، وأورده ابن أبي حاتم في تفسير الآية (8482) بإسناد صحيح.

([181]) رواه مسلم (1855).

182)) شرح رياض الصالحين (3/646).

183)) فيض القدير (3/463).

([184]) رواه مسلم (4826).

185)) فيض القدير شرح الجامع الصغير (2/76).

186)) الطبقات الكبرى لابن سعد (5/128)، وأبو نعيم في الحلية (2/167)، وسير أعلام النبلاء (4/226).

178)) حلية الأولياء (2/167)، سير أعلام النبلاء (4/238).

188)) البداية والنهاية (9/117).

(([189] شعب الإيمان البيهقي (8986).

([190]) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (26577).

)191) حلية الأولياء (2/41).

)192) سير أعلام النبلاء (7/251).

 ([193])حلية الأولياء: (7/46).

([194]) البداية والنهاية (10/332).

( ([195]ص20.

)196) البداية والنهاية (11/27).

)197) رواه البخاري (4686).

([198]) الصفدية (267).

([199]) حلية الأولياء (8/91).

200)) صفة الصفوة لابن الجوزي (2/241).

201)) إحياء علوم الدين (2/500).

202)) أبو محمد الحسن بن علي الفقيه شيخ الحنابلة في العراق، لم يسلم من طغيان السلطة، فقد ظل مطاردا منها بعد أن حكم عليه بالسجن ظلما، حتى توفي وحيدا مستترا سنة 328ه ولم يصل عليه إلا خادمه! راجع ترجمته في (سير أعلام النبلاء).

( ([203]كتاب شرح السنة للبربهاري.

204)) صحيح البخاري (2937).

 

 

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ