الرسالة الحادية عشرة (من السياسة الشرعية إلى الشرعية السياسية)

الرسالة الحادية عشرة (من السياسة الشرعية إلى الشرعية السياسية)

الرسالة الحادية عشرة
(من السياسة الشرعية إلى الشرعية السياسية)

بين يدي الموضوع:

بعثت الثورة العربية المعاصرة اليوم -فيما بعثت من قضايا طالما كانت خارج دائرة البحث العام سياسيا وإعلاميا وثقافيا- قضية (نظام الحكم الإسلامي الراشد) و(نظام الخلافة الراشدة)، و(شرعية النظم السياسية) التي تحكمها، وأعادتها أشد ما تكون جذعة من جديد؛ إذ أيقظت الثورة العربية في ذاكرة الأمة ووعيها الجمعي -كما الخلافة- حلم القوة والوحدة والحرية والكرامة التي تتطلع لها الأمة وشعوبها؛ للخروج من حال الضعف والاستبداد والتشرذم والتبعية للقوى الغربية الصليبية والدولية، في عالم لم يعد فيه مكان للضعفاء!

وأثار بركان الثورة العربية في زلزاله -الذي ما يزال يهز جنبات العالم العربي ليبعثه إلى الحياة من جديد، بعد عقود من الموت في ظل الدويلات الوظيفية التي انتهت صلاحيتها- الجدل السياسي والفكري حول نظام الخلافة السياسي، أقوى ما تكون الإثارة شدة، والخصام حدة، كيوم سقوط الخلافة أو أشد؛ ليدور حولها النقاش والبحث والأخذ والرد، ليس على مستوى الداخل الإسلامي فحسب، بل والخارج الدولي، حتى غدت قضية (عودة الخلافة) الحدث الأبرز اليوم، بعد أن كاد يطويها النسيان كمشروع سياسي عقودا طويلة، مع حضورها الدائم في الوسط الفكري والفقهي الإسلامي!

وإذا كانت الثورة العربية اليوم تعبر عن ميلاد روح جديد للأمة وشعوبها بعد قرن كامل من الاستعمار الغربي الذي استلب حريتها وسيادتها، من خلال صناعة دول وطنية ضعيفة، وأنظمة وظيفية وضيعة، فإن تداعي الأمم الصليبية عليها لوأد ثورتها ومنع تحررها، يعبر عن مدى الفراغ السياسي الذي فشلت هذه الدول الوطنية وأنظمتها الوظيفية في ملئه منذ قيامها، كما كشفت ذلك وبكل جلاء الحرب الإسرائيلية على غزة، والحصار المصري لها، والحرب الروسية الإيرانية على الشعب السوري، والحصار الأمريكي المفروض عليه، والحرب الأمريكية الإيرانية على الشعب العراقي، حتى شنت جيوش هذه الدول القطرية وأنظمتها الوظيفية الحرب على الأمة وشعوبها وأصبحت أداة من أدوات الاحتلال الأجنبي لأوطانها!

ولا يمكن التنبؤ بالمستقبل السياسي للعالم العربي بعد الثورة، بعيدا عن تاريخ المنطقة وشعوبها ونظامها السياسي الذي طالما حكمها منذ ظهور الإسلام، حتى سقوطها تحت الاحتلال، فإذا كان التاريخ يعيد نفسه؛ فالمستقبل هو ابن التاريخ، ووارث صفاته، وحامل جيناته!

لقد ظلت الخلافة كنظام سياسي حتى بعد سقوطها حلما يراود علماء الأمة ومفكريها ومصلحيها، وقد تحدث الشيخ محمد رشيد رضا عن قصة سقوط الخلافة -وهو شاهد عدل على أحداثها وأخبارها- حيث عاصرها وشارك في التصدي لسقوطها، ثم شارك في محاولة إحيائها، وذلك في رسالته (الخلافة) التي نشرها في (مجلة المنار)، مفصلا خبر تلك الحادثة الجلل من تاريخ الإسلام، وكيف كان سقوطها زلزالا عظيما عاشته الأمة سياسيا وفكريا وروحيا، حيث قال متحدثا عن المؤامرة البريطانية والحملة الصليبية التي أسقطت الخلافة العثمانية، بذريعة إقامة الخلافة العربية للشريف حسين بعد فصل الولايات العربية (الجزيرة العربية والعراق والشام)(1):

(الخلافة ودول الاستعمار: من البديهي أن إقامة الخلافة الإسلامية يسوء رجال دول الاستعمار، وأنهم قد يقاومونها بكل ما أوتوا من حول وقوة، وأحرصهم على ذلك الدولة البريطانية...

وقد عنيت الدولة البريطانية منذ أول زمن هذه الحرب بالبحث في مسألة الخلافة، وطفق رجالها يستطلعون علماء المسلمين وزعماءهم في مصر والسودان والهند وغيرها آراءهم فيها، ليكونوا على بصيرة فيما يريدونه من إبطال تأثير إعلان الخليفة العثماني الجهاد الديني، بدعوى بطلان صحة خلافته من جهة، وبدعوى أن هذه الحرب لا شأن للدين فيها من جهة أخرى... وقد دارت بيننا وبين بعض رجالهم مناقشات في المسألة العربية اقتضت أن نكتب لهم مذكرات في تخطئة سياستهم فيها،بينا في المذكرة الأولى منها التي قدمناها لهم في أوائل سنة 1915 أن أكثر مسلمي الأرض متمسكون بالدولة العثمانية وخليفتها، لأنها أقوى الحكومات الإسلامية، وأنهم يخافون أن يزول بزوالها حكم الإسلام من الأرض، وأن هذا أعظم شأنا عندهم من بقاء المعاهد المقدسة سليمة مصونة، بل بينا لهم أيضا أن إعلانها الجهاد شرعي، وأن سبب ضعف تأثيره في مثل مصر هو الاعتقاد بأنها منتصرة مع حلفائها؛ فلا تحتاج إلى مساعدة.. .

وعدت إلى بحث الخلافة في آخر مذكرة منها، وهي التي أرسلتها إلى الوزير لويد جورج في منتصف سنة 1919م، فقلت في بيان ما يرضى المسلمين من انكلترة: ...ولم يكن المسلمون مضطربين من الخوف على المساجد المقدسة أن تهدم، أو يمنع الناس من الصلاة فيها والحج إليها وزيارتها، بل الاضطراب الأعظم على السلطة الإسلامية التي يعتقدون أن لا بقاء للإسلام بدونها(2)، والحرص على بقائها ممزوج بدم كل مسلم وعصبه، فهو لا يرى دينه باقيا إلا بوجود دولة إسلامية مستقلة قوية قادرة بذاتها على تنفيذ أحكام شرعه بغير معارض ولا سيطرة أجنبية، وهذا هو السبب في تعلق أكثر مسلمي الأرض بمحبة دولة الترك، واعتبارهم إياها هي الدولة الممثلة لخلافة النبوة مع فقد سلطانهم لما عدا القوة والاستقلال من شروطها الخاصة).(3)

ويكمل الشيخ محمد رشيد رضا حديثه عن أسباب سقوط الخلافة وتداعياته، وخشية الغرب من عودتها لما تعبر عنه من وحدة الأمة واتحادها في وجه الحملة الصليبية الاستعمارية الجديدة فيقول في رسالته:

(الخلافة وتهمة الجامعة الإسلامية: إن السبب الأول لكون الدولة البريطانية هي الخصم الأكبر والأشد الأقوى من خصوم الخلافة الإسلامية هو أنها تخشى أن تتجدد بها حياة الإسلام وتتحقق فكرة (الجامعة الإسلامية) فيحول ذلك دون استعبادها للشرق كله... وقد نشرنا في مجلدات المنار أقوالا كثيرة للساسة الأوربيين في هذه المسألة، من أهمها ما نشرناه في المجلد العاشر سنة 1325 من رأى "كرومر" في تقريره السنوي عن مصر والسودان سنة 1906 وأهمه قوله: "المقصود من (الجامعة الإسلامية) بوجه الإجمال اجتماع المسلمين في العالم كله على تحدي قوات الدول المسيحية ومقاومتها، فإذا نظر إليها من هذا الوجه وجب على كل الأمم الأوروبية التي لها مصالح سياسية في الشرق أن تراقب هذه الحركة مراقبة دقيقة، لأنها يمكن أن تؤدي إلى حوادث متفرقة فتضرم فيها نيران التعصب الديني في جهات مختلفة من العالم".. .

ثم ذكر أن للجامعة الإسلامية معاني أخرى أهم من المعنى الأصلي وهي:

"السعي في القرن العشرين لإعادة مبادئ وضعت منذ ألف سنة هدى لهيئة اجتماعية في حالة الفطرة والسذاجة"، وذكر أن عيب هذه المبادئ والسنن والشرائع هو المناقضة لآراء أهل هذا العصر في علاقة الرجال بالنساء! وأمر آخر قال إنه "أهم من ذلك كله وهو إفراغ القوانين المدنية والجنائية والمالية في قالب واحد لا يقبل تغييرا ولا تحويرا"!

قال: "وهذا ما أوقف تقدم البلدان التي دان أهلها بدين الإسلام"!

وقد رددنا على "لورد كرومر" في كل هذه المسائل ردا، ورد غيرنا عليه أيضا، وفي هذه المباحث ما فيها من تفنيد كلامه،وغرضنا هنا أن نبين شدة اهتمام الإنكليز بمقاومة (الجامعة الإسلامية)(4)بكل معنى من معانيها، وتحريضهم جميع الأوربيين وجميع النصارى عليها وعلى من يتصدى لها، وتخويف المسلمين منها"...

كما تحدث الشيخ محمد رشيد رضا عن ممارسة الدول الغربية الصليبية الإرهاب على شعوب العالم الإسلامي وأمرائهم ورؤسائهم حتى فقدوا سيادتهم واستقلالهم فقال:

"ولقد كان من إرهاب أوربة للشعوب الإسلامية وحكوماتها أن جعلتها تخاف وتحذر كل ما يكرهه الأوربيون منها، وتظهر الرغبة في كل ما يدعونها إليه، وجروا على ذلك حتى صار الكثيرون منهم يعتقدون أن ما يستحسنه لهم هؤلاء الطامعون فيهم هو الحسن، وما يستقبحونه منهم هو القبيح! إذ تربوا على ذلك، ولم يجدوا أحدا يبين لهم الحقائق، وكان هذا عونا لهم على سلب استقلال هؤلاء المخدوعين والمرهبين في بعض البلاد، وغلبة نفوذهم على نفوذ الحكومة في بلاد أخرى كمصر والدولة العثمانية، واستحوذ الجبن والخور على رجال الحكومات في هذه البلاد حتى إن أركان الدولة العثمانية لم يتجرءوا على الإذن لنا بإنشاء مدرسة إسلامية في عاصمتها باسم (دار الدعوة والإرشاد) كما تقدم!

ولم يكونوا كلهم يجهلون ما ذكرت، بل قال لي شيخ الإسلام حسني أفندي رحمه الله تعالى: إن عندنا قاعدة مطردة في الإفرنج هي أن كل ما يرغبوننا فيه فهو ضار بنا، وكل ما ينفروننا منه فهو نافع لنا... وإنما هو جبن بعض الرؤساء وفساد عقائد بعض...لهذا السبب ينوط الرجاء بحكومة الأناضول ألوف الألوف من المسلمين أن تحيي منصب الخلافة، وتجدد به مجد الإسلام وشريعته الغراء التي يرجي أن يتجدد بإحيائها مجد الإنسانية، ويدخل البشر في عصر جديد ينجون به من مفاسد المدنية المادية، التي تهدد العمران الأوروبي نفسه بالزوال، بله عمران الشرق).(5)

لقد بدأت الحملة الصليبية على العالم الإسلامي لاحتلاله، وإسقاط الخلافة كنظام سياسي يعبر عن وحدته وسيادته ورسالته، منذ معاهدة كارلوفجة سنة 1699م، بعد هزيمة الجيش العثماني أمام تحالف العصبة الصليبية بقيادة النمسا وروسيا، ثم مؤتمر برلين سنة 1878م، والاتفاق الأوربي على القضاء على الخلافة العثمانية، وتقاسم أقاليمها في آسيا وأفريقيا، ثم اتفاقية سايكس بيكو سنة 1915م، التي كانت حجر الأساس لتقسيم المنطقة على ما هي عليه اليوم، بعد بنائها على أساس (دول قطرية وظيفية - وأنظمة علمانية غربية - وتبعية سياسية وعسكرية)، ثم كانت معاهدة الصلح في لوزون سنة 1923م وشروط كرزون التي فرضها الحلفاء الأوربيون على تركيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى؛ ومنها إلغاء الخلافة وإقصاء الشريعة وقطع العلاقة بالأقاليم العثمانية التي احتلها الحلفاء، وقد قام أتاتورك بتنفيذ شروط الاتفاقية، وكان الإعلان عن إلغاء الخلافة رسميا سنة 1924م، ومنذ تلك اللحظة فرض الاستعمار الغربي المحظورات الثلاثة على العالم الإسلامي كله (فلا خلافة تحفظ للأمة وحدتها - ولا شريعة تعبر عن دينها وهويتها - ولا جهاد يحمي سيادتها)!

وقد صارت الدساتير في الدول الوطنية الوظيفية التي أقامها الاستعمار على أنقاض الخلافة تنص على منع الحرب الهجومية، وحتى الحرب الدفاعية لا يحق لها استخدامها إلا حين يسمح الاستعمار لها بالدفاع عن نفسها!

لقد كان الإعلان عن إلغاء الخلافة، تتويجا لنصر تاريخي غير مسبوق للحملات الصليبية على العالم الإسلامي، حيث استطاعت بعد صراع طويل مع الإسلام لمدة ألف وثلاثمائة سنة تحقيق أهم أهدافها، وكان أول من عبر عن تلك الهزيمة فكريا وثقافيا علي عبد الرازق سنة 1925م، في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، الذي أثار الشبهات -بوحي بريطاني حيث كانت مصر حينها تحت الحماية- حول مشروعية (الخلافة)، ومشروعية (القضاء الشرعي)، ومشروعية (الجهاد)!

عبد الرزاق السنهوري ونظرية الخلافة:

وقد تصدى للرد على شبهات علي عبد الرازق آنذاك علماء الأمة كشيخ الأزهر محمد الخضر حسين، وشيخ الإسلام مصطفى صبري آخر شيوخ الإسلام في تركيا، وكان من أبرز من رد عليه ونقض شبهاته حول (الخلافة) الشيخ عبد الرزاق السنهوري أستاذ القانونيين العرب المعاصرين في رسالة الدكتوراه (فقه الخلافة) المنشورة بالفرنسية سنة 1926م، حيث يقول: (نحن نعتقد بأن الدليل العقلي البحت يستوجب وجود سلطة عامة أيا كان شكلها، ولكن الدليل الشرعي هو الذي يستوجب أن تكون هذه الحكومة قد توفرت فيها الخصائص المميزة لنظام الخلافة، والتي باجتماعها تكون هذه الحكومة خلافة شرعية).(6)

ونعى السنهوري على علي عبد الرازق خلطه بين الخلافة كنظام سياسي أجمع المسلمون عليه بعد النبوة، والخلاف بين الصحابة في اختيار الخليفة الذي يتولى رئاسة هذا النظام، حيث قال: (فهو يخلط بين وجود (نظام الخلافة)، وبين اختيار (الخليفة)، والمسلمون لم يخلطوا قط بين الأمرين كما فعل هو، فمن ناحية مبدأ وجوب نظام الخلافة، فقد أجمعوا عليه، منذ وقف أبو بكر فيهم خطيبا معلنا ضرورة إقامة الخلافة لضمان تنفيذ الشريعة، وأقره جميع الصحابة على ذلك، وأجمع عليه المسلمون منذ ذلك الحين... فمن الخطأ أن يقال بأن المسلمين لم يجمعوا قط على وجوب الخلافة لمجرد أنهم اختلفوا على الأشخاص الذين يتولون هذا المنصب، فالخلاف هنا كان منصبا على الأشخاص لا على المبدأ ذاته).(7)

كما وصف السنهوري دراسة علي عبد الرازق بأنها (سطحية)(8)، وخلص إلى القول (إن النبي قد وضع لحكومته أصلح النظم الممكنة في زمنه، وأقام دولة لا تقل في نظمها عن الدولة الرومانية في بدايتها، فالسلطات التي باشرها النبي كانت أنظمة مدنية حقيقية كأي حكومة أخرى، لقد كان حاكما دنيويا مدنيا، إلى جانب صفته كنبي مرسل).(9)

مالك بن نبي وضرورة الخلافة:

لقد أصبح هاجس العالم الإسلامي ومنذ إلغاء الخلافة هو كيف ينهض من كبوته الحضارية، وأزمته السياسية؛ ليستعيد حريته وسيادته وخلافته، وحضوره المؤثر من جديد في الساحة الدولية، من خلال استلهام تاريخه وقيمه المشتركة وإعادة صناعة واقعه كما يريد هو لا كما أراد الاستعمار، وكان حلم (عودة الخلافة) الأساس الذي يرتكز عليه هذا الطموح، وهو ما انتهى إليه عبد الرزاق السنهوري في توصياته في آخر كتابه (فقه الخلافة)، حيث دعا إلى ضرورة استعادة نظام الخلافة من جديد بما يتناسب مع تطور النظم السياسية من جهة، وضرورات العصر واحتياجاته من جهة أخرى، لتحقيق الوحدة بين دول العالم الإسلامي، وهو ما عبر عنه المفكر الجزائري مالك بن نبي بقوله: (ويجب من الآن أن نعمل على ظهور سلطة روحية تجمع الرأي وتوحد الصف بالنسبة للمسلمين في العالم كله، وإننا يجب من الآن أن نعيد النظر في قضية (الخلافة الإسلامية)، فقد باتت ضرورة عالمية وحيوية... وليكن لها أي اسم، ولكن ليكن هدفها توحيد الصف الإسلامي والرأي الإسلامي في كل مكان على ظهر الأرض، وإن كنت أتفاءل بكلمة "مجلس الخلافة" وليشترك فيها كل العالم الإسلامي، ولكن لنبدأ في إعلان وجودها من الآن... وقد يظن المعارض لنا أنه يستطيع إفحامنا، متخذًا من ظروف العصر وتشابك مشكلاته، وظهور أنماط الحكم الجديدة في عالم اليوم، يتخذ من كل هذا ذريعة لإسكات الصوت الإسلامي المطالب بإحياء منصب الخلافة من جديد، وأما هذه الحجة التي تبدو في مظاهرها وجيهة، لا تنقصنا الأدلة على بطلانها من أساسها، وهي: كانت الخلافة نظامًا حيًا واقعًا لم يختف من الحياة السياسية إلا منذ نحو نصف قرن فقط، وكان يضم شعوبًا متعددة الأجناس والألوان والألسنة والقوميات في عصور لم تتميز بما يمتاز به عصرنا الحاضر من وسائل الاتصال التي جعلت العالم كله وكأنه رقعة واحدة متصلة الأجزاء والأركان).(10)

لقد سقطت الخلافة العثمانية -مع ضعفها وانحرافها قبيل سقوطها- فانحل بعدها الإسلام الدين والهوية، والإسلام الأمة والوطن، والإسلام السلطة والدولة، والإسلام الشريعة والنظام، ليعيش المسلمون حالة من الاغتراب السياسي والفكري والثقافي والتشريعي غير مسبوقة في تاريخهم كله، لتعصف بهم الأحداث السياسية والمحدثات الأيديولوجية، التي فرضتها الحملة الصليبية، فكان البديل العلمانية بكل تجلياتها القومية والوطنية تارة، والشيوعية والاشتراكية تارة، والليبرالية والرأسمالية تارة أخرى، التي اجتاحت العالم العربي والإسلامي، وقامت هنا، وأقيمت هناك، دويلات الطوائف الجمهورية والملكية والعسكرية؛ فما ازدادت الأمة معها إلا ضعفا وتشرذما وتخلفا واغترابا!

وقد جاء في الحديث الصحيح حين حذر النبي أمته من (دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم؛ قذفوه فيها، وهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)، وحين جعل المخرج من هذه الفتن العامة والعصمة منها وحدة الأمة ووحدة الخلافة، فقال لمن سأله عن المخرج من هذه الفتن العامة (الزم جماعة المسلمين وإمامهم) وفي رواية: (إن كان لله في الأرض خليفة فالزمه)!(11)

ولعل ترشيد الثورة العربية اليوم، وبلورة مشروعها السياسي الراشد، الذي يعبر عن دينها وهويتها ورسالتها وخصوصيتها، من أوجب الواجبات على فقهائها ومفكريها، وإذا كانت (الخلافة الراشدة) رئاسة عامة على الأمة أو أكثرها، وهو ما لم يعد له وجود منذ سقوط الخلافة العثمانية، مع حتمية عودتها كما أخبر وأبشر بذلك النبي ، فإن (الدولة والحكومة الراشدة) التي هي رئاسة خاصة على بعض الأمة في قطر من أقطارها، هي المدخل للوصول في المستقبل بالأمة إلى الوحدة التي يجب على حكوماتها الراشدة تحقيقها لها، واستعادة خلافتها التي تعبر عن إرادتها، وهويتها، وإذا لم تستطع شعوب الأمة تحقيق تجربة سياسية راشدة على مستوى دولة من دولها اليوم؛ فهي عن إقامة خلافة راشدة على مستوى الأمة كلها أو أكثر دولها أشد عجزا، ولا فرق بين (الخلافة الراشدة) و (الحكومة الراشدة) في الواجبات والمسئوليات المنوطة بهما، والحقوق المقررة للأمة وشعوبها فيهما، إلا في امتداد سلطانهما، فالأولى عامة على مستوى الأمة، والثانية خاصة على مستوى القطر التي تتولى السلطة فيه الحكومة الراشدة.

ويقتضي الحديث عن (الحكومة راشدة) تحديد طبيعة نظام الحكم في الإسلام، وأصوله العقائدية والفقهية السياسية التي يقوم عليها:

نظام الحكم الإسلامي بين النظم الدستورية والأنظمة الدكتاتورية:

فما طبيعة نظام الحكم السياسي الإسلامي؟

هل هو نظام دستوري أم نظام دكتاتوري؟

هل من يحكمه ويتحكم فيه سلطة الفرد أم مؤسسات الدولة والمجتمع؟

ما حدود صلاحيات السلطة في نظام الخلافة الراشدة؛ هل هي مطلقة أم مقيدة؟

هل عرف نظام الخلافة الفصل بين السلطات؟وما حدود كل سلطة؟

ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة قبل معرفة التاريخ السياسي لنظام الخلافة الذي هو التجربة التاريخية الوحيدة للحكم في الإسلام، والذي توارى - بسبب طبيعة كتابة التاريخ الإسلامي آنذاك- خلف الأحداث (الفتوحات الخارجية والصراع السياسي الداخلي)، وخلف الأشخاص (الخلفاء والأمراء)، حتى كادت تطمس معالم النظام السياسي الذي كانت كل تلك الأحداث تقع في إطاره، وضمن دائرة تأثيره المباشر فيها، فما كان لتلك الفتوحات لتحدث لولا الرسالة والوعد (بالاستخلاف)، وما كان لتلك الصراعات على السلطة لتكون لولا (نظام الخلافة) نفسه، الذي كان منظومة فكرية وعقائدية سياسية من جهة، ونُظما دستورية وتشريعية، من جهة أخرى، ومؤسسات وقوى مجتمعية تمارس دورها بين هذه وتلك من جهة أخرى!

فإذا كانت النظم الدستورية اليوم في الدول المعاصرة هي أرقى ما أنتجه الفكر الإنساني السياسي لمعالجة إشكالية السلطة وإدارة لمجتمع، حيث أصبحت السلطة فيها تخضع لإرادة أقوى، وقانون أعلى، يحدان من طغيانها، ويمنعان من استبدادها، ويحددان صلاحياتها، وهو ما لم يعرفه العالم الغربي إلا بعد الثورة الفرنسية، ثم الثورة الأمريكية، قبل قرنين -حين برزت فكرة (إرادة الشعب) كإرادة أعلى، لتواجه استبداد (إرادة الفرد)، وصار (الدستور) هو القانون الأعلى -وليس رغبات الملك- الذي ينظم علاقة السلطة بالمجتمع، بعد أن كانت النظم الدكتاتورية والاستبداد المطلق هو السائد قبل ذلك؛ فكانت إرادة الملك أو الإمبراطور هي القانون الأعلى، وهو الدولة بكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإذا كان ذلك هو واقع الأنظمة التي كانت تسود العالم كله على اختلاف أشكالها- فإن نظام الخلافة الذي ظل يحكم العالم الإسلامي كان خارجا عن سياق تلك الأنظمة، وخارج نسقها، إذ تمثل الخلافة نظاما سياسيا فريدا من نوعه -في منظومته العقائدية والدستورية والتشريعية- استطاع أن يحكم تقريبا نصف العالم المأهول آنذاك، في فترات طويلة من التاريخ الإنساني، وفي دولة قارية امتدت في ثلاث قارات (آسيا - أفريقيا - أوربا)، وهو ما لم يتهيأ لغيره من الأنظمة السياسية، دون أن يعيش تلك الإشكالية التي واجهتها تلك الأنظمة وانتهت بسقوطها.

ولا يمكن قياس (نظام الخلافة) على أي نظام إمبراطوري آخر عرفه العالم، لا في طبيعة ظهوره ونشأته؛ حيث كانت رسالة النبي محمد حجر الأساس الذي بني عليها نظام الخلافة والوعد بالاستخلاف في الأرض، حتى في ظل الخطاب السياسي المؤول، ولا في طبيعة ممارسته السياسية؛ حيث ظلت الشريعة والسلطة التشريعية والقضائية خارج دائرة اختصاص السلطة السياسية التنفيذية، حتى يكاد دور السلطة ينحصر في التنفيذ لأحكام الله {إن الحكم إلا لله}، {وأن احكم بينهم بما أنزل الله}، والاجتهاد فيما لا حكم لله فيه بالرد إلى {أولي الأمر}، لاستنباط الحكم فيه سواء كان الحكم شرعيا يرد الأمر فيه إلى (الفقهاء)، أو كان الحكم سياسيا شوريا يرد الأمر فيه إلى الساسة (أهل الحل والعقد)، {وأمرهم شورى بينهم}، وهو ما لم تعرفه النظم السياسية إلا حديثا!

لقد قامت الدولة في الإسلام بعد عقد البيعة الثانية ثم بعد صحيفة المدينة على أساس:

1- الأمة الواحدة: وهي أسبق وجودا من الدولة والسلطة، حيث قام المجتمع الإيماني، ووجدت الأمة الواحدة بالمفهوم العقائدي في مكة، ثم الأمة بالمفهوم السياسي بعد الهجرة في المدينة؛ حيث تزامن وارتبط قيام الدولة النبوية بمفهوم الأمة السياسي الذي تشكل من كل مكونات المجتمع، كما جاء في صحيفة المدينة التي تُعد أول دستور عرفه العالم، حيث حدد فيها النبي الحقوق والواجبات التي على المسلمين ومن معهم من أهل الكتاب، كما في المغازي والسير: (وكتب رسول الله كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس.. وأن يهود بني عوف أمة من المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم...).(12)

2- المرجعية التشريعية: كما جاء في الصحيفة (وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد ...).

3- المرجعية السياسية: كما في الصحيفة (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ورسوله ).

4- مسئولية المجتمع: كما ورد في الصحيفة (وإن المؤمنين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم).

ولوضوح هذه الأصول منذ تأسيس الدولة في الإسلام؛ تحددت طبيعة النظام السياسي الإسلامي، وصلاحيات السلطة فيه.

طبيعة السلطة في نظام الخلافة الراشدة:

فالسلطة في الإسلام -على خلاف كل الأنظمة السياسية الأخرى التي عرفها العالم- هي في الأصل سلطة تنفيذية، وقد أكد النبي هذا المفهوم السياسي للسلطة التي يمارسها فقال: (ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أُمرت)، وفي رواية: (إنما أنا قاسم وخازن، والله المعطي).(13)

وفي حديث آخر: (بُعثت قاسما أقسم بينكم).(14)

وهو ما تتابع الخلفاء الراشدون على تأكيده؛ فالجميع يخضع لحكم الله وكتابه وشرعه وقانونه، الحاكم والمحكوم على حد سواء، كما قال أبو بكر في أول خطبة له بعد توليه الخلافة؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، أيها الناس، قد وليت أمركم،ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن، وسن النبي السنن، فعلمنا، فعلمنا، اعلموا أن أكيس الكيس التقوى، وأن أحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس،إنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني،وإن زغت فقوموني)(15)، (أطيعوني ما أطعت الله فيكم؛ فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).(16)

(... ألا وإني قد وليت عليكم ولست بأخيركم، ولوددت أنه كفاني هذا الأمر أحدكم، وإن أنتم أردتموني على ما كان الله يقيم نبيه من الوحي ما ذلك عندي،إنما أنا بشر فراعوني).(17)

فقرر أبو بكر رضي الله عنه في أول خطبة له أصول الحكم والسياسة في نظام الخلافة، وأن سلطته بشرية تنفيذية، فلا عصمة له، ولا خيرية، ولا سلطة له مطلقة، وأنه خاضع لحكم الله ورسوله، ومتبع له، وأن الأمة تعينه إن أحسن، وتقومه إن زاغ أو أساء، وأنه لا سلطة له إلا في حدود المشروعية التي هي طاعة الله ورسوله، وأنه لا طاعة له حين يخرج عنها.

فقد عبر أول خليفة عن طبيعة الخلافة والسلطة في الإسلام بعد النبوة، وأنها سلطة مقيدة بالكتاب والسنة، وتحت رقابة الأمة وقوامتها، كما بايع النبي الأنصار في البيعة الثانية (وأن نقوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم).(18)

وكذا أكد هذا الأصل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان في أول خطبة له بعد البيعة حيث يقول (أما بعد فإني قد حُمِّلت وقد قبلت،ألا وإني متبع، ولست بمبتدع، وإن لكم علي بعد كتاب الله وسنة نبيه ثلاثا:

1-اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم.

2-وسنُّ سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ منكم.

3-والكف عنكم إلا فيما استوجبتم).(19)

فالسلطة كما في هذه الخطبة سلطة تنفيذية، تلتزم بالمشروعية والمرجعية التي اجتمعت عليها الأمة فيما سبق من أحكام سياسية، وما يتفق عليها الملأ منهم وهم الأكثرية فيما يستأنف ويستجد من نوازل.

وهذا ما قرره الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز حين قال في أول خطبة له بعد تولي الخلافة (أيها الناس،إني لست بقاض؛ ولكني منفذ، ولست بمبتدع؛ولكني متبع، وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم؛ فأنا واليكم، وإن أبوا؛ فلست لكم بوالٍ).(20)

وفيه تأكيد على طبيعة دور السلطة التنفيذي، وحق الأمة في كافة الأمصار، في اختيار الإمام بلا إكراه ولا إجبار، كما فيه تجلي لمبدأ الفصل بين السلطة التنفيذية والقضائية (إني لست بقاض وإنما منفذ)، فمهمة الخليفة إدارة السلطة التنفيذية، وللقضاة استقلالهم لا سلطان لأحد عليهم.

وفي رواية قال: (أيها الناس، إن الله لم يرسل رسولا بعد رسولكم، ولم ينـزل كتابا بعد الكتاب الذي أنزله عليكم، فما أحل الله على لسان رسوله فهذا الحلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله على لسان رسول فهو حرام إلى يوم القيامة،ألا وإني لست بمبتدع، ولكني متبع، ولست بقاض، ولكن منفذ، ولست بخير من واحد منكم، ولكني أثقلكم حملا،ألا وإنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله).(21)

وهنا تأكيد من عمر بن عبد العزيز على أن السلطة لا دخل لها في التشريع للأحكام، وإنما مسئوليتها تنفيذها، وكذا لا دخل لها في سلطة القضاء، ولا سلطان لها على القضاة.

وهذا الأصل السياسي العظيم هو ما ميز نظام الخلافة في الإسلام؛ حيث لا خلاف في كون السلطة ليس لها يد في التشريع، كما لا سلطة لها على القضاء، وإنما تكاد مسئوليتها تنحصر في التنفيذ.

شروط الإمام مالك لمشروعية السلطة:

ولوضوح هذا الأصل السياسي في نظام الخلافة الإسلامي قال الإمام مالك -إمام أهل السنة في عصره (95 هـ - 179 هـ)-: (إن الإمام لا يكون إماما أبدا إلا على شرط أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فإنه قال: وليتكم ولست بخيركم، ألا وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، ألا وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت؛ فأعينوني، وإن زغت؛ فقوموني).(22)

فالإمامة والرئاسة العامة على الأمة في نظام الخلافة لا تكون كذلك إلا على وفق شروط أول خليفة وسننه، وهو أبو بكر الصديق، كما قررها في هذه الخطبة، وأدركت الأمة مضامينها السياسية التي تحدد طبيعة السلطة وصلاحيتها ومسئوليتها وخضوعها لأحكام الشرع من جهة، ورقابة الأمة عليها من جهة أخرى؛ لضمان التزام السلطة بتنفيذ أحكام الكتاب والسنة.

وقول الإمام مالك هنا يفسر مذهبه المشهور عنه في عدم اعترافه ببيعة أئمة الجور، كأبي جعفر المنصور، وبيعة كل من أخذها بالقوة، وما أفتى به أنه لا بيعة لهم مع الإكراه، وما دعا الناس إليه للخروج مع محمد بن الحسن ذو النفس الزكية وأخيه إبراهيم، سنة 145هـ، على أبي جعفر المنصور العباسي، وكان قد خرج في المدينة؛ فاستفتى أهلها مالك بن أنس في الخروج معه، مع أنهم سبق لهم أن بايعوا أبا جعفر المنصور؛ فقال مالك: (إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين؛ فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته).(23)

وكان إذا سئل عن القتال مع الخلفاء ضد من خرج عليهم يقول: (إن كان الخليفة كعمر بن عبد العزيز؛ فقاتل معه، وإن كان كمثل هؤلاء الظلمة؛ فلا تقاتل معهم).(24)

وما قاله مالك في أئمة الجور وأنه لا يقاتل معهم إذا خرج عليهم خارج، وأنه لا يقاتل إلا مع أئمة العدل كعمر بن عبد العزيز؛ يؤكد أن مذهبه هو عدم الاعتراف لهم بالولاية الشرعية أصلا، ومما يؤكد ذلك أن ابن القاسم سئل عن دفع الزكاة للولاة (أرأيت مصدقا يعدل على الناس فأتى المصدق إلى رجل له ماشية تجب في مثلها الزكاة، فقال له الرجل قد أديت صدقتها إلى المساكين؟ قال:لا يقبل قوله هذا لأن الإمام عدل؛ فلا ينبغي لأحد أن يمنعه صدقتها، قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم إذا كان الوالي مثل عمر بن عبد العزيز).(25)

ففرق الإمام مالك بين الإمام العدل الذي يجب دفع الزكاة له، ولا تبرأ الذمة إلا بالدفع له، وغير العدل الذي لا يجب دفع الزكاة!

وقال سحنون: (قلت أرأيت زكاة الفطر هل يبعث فيها الوالي من يقبضها؟ فقال ابن القاسم: قالمالك وسألناه عنها سرا؛ فقال لنا: أرى أن يفرق كل قوم زكاة الفطر في مواضعهم، أهل القرى حيث هم في قراهم، وأهل العمود حيث هم، وأهل المدائن في مدائنهم، قال: ويفرقونها هم، ولا يدفعونها إلى السلطان إذا كان لا يعدل فيها، قال: وقد أخبرتك في قول مالك:إذا كان الإمام يعدل لم يسع أحد أن يفرق شيئا من الزكاة، ولكن يدفع ذلك إلى الإمام).(26)

وكل هذا التفريع الفقهي عن مالك موافق للأصل السياسي الذي قرره في شرعية السلطة وأنه لا شرعية لها إلا على الشرط الذي شرطه أبو بكر، وعلى وفق سنن الرشد في اختيار الأمة له بالشورى والرضا بلا إكراه ولا تغلب، ولا جور ولا ظلم: (إن الإمام لا يكون إماما أبدا إلا على شرط أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه).

وقد عبر عن هذه الحقيقة لطبيعة النظام السياسي الإسلام الشيخ محمد رشيد رضا بقوله في كتابه (الخلافة) : (وأما السياسة الاجتماعية المدنية؛ فقد وضع الإسلام أساسها وقواعدها، وشرع للأمة الرأي والاجتهاد فيها؛ لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان وترتقي بارتقاء العمران، وفنون العرفان، ومن قواعده فيها أن سلطة الأمة لها، وأمرها شورى بينها، وأن حكومتها ضرب من الجمهورية، وخليفة الرسول فيها لا يمتاز في أحكامها على أضعف أفراد الرعية، وإنما هو منفذ لحكم الشرع ورأي الأمة).(27)وقال أيضا: (رئيس الحكومة المقيدة، لا سيطرة ولا رقابة له على أرواح الناس وقلوبهم، وإنما هو منفذ للشرع وطاعته محصورة في ذلك، فهي طاعة للشرع لا له نفسه).(28)

الفصل بين السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية:

لقد أدرك أول خليفة في الإسلام طبيعة نظام الخلافة السياسي، ومسئوليته كأول خليفة، وأنه ليس كالنبي معصوم بالوحي، وإنما هو بشر يعتريه ما يعتري غيره؛ ولهذا بادر إلى بيان أسس نظام الخلافة البشري، على ما تقتضيه الفروق بينه وبين الحكم النبوي، كما قال (وإن أنتم أردتموني على ما كان الله يقيم نبيه من الوحي ما ذلك عندي،إنما أنا بشر فراعوني).(29)

وقد سب رجل أبا بكر الصديق وأغلظه له القول، فغضب منه أبو بكر غضبا شديدا، فقال له أبو برزة الأسلمي: أأقتله يا خليفة رسول الله؟

فكأنما -لعظم الكلمة التي سمعها من أبي برزة- صب عليه ماء بارد أذهب غضبه!

فانتهر أبو بكر الصديق أبا برزة؛ وقال له: (ثكلتك أمك، والله ما كانت لأحد بعد رسول الله ).(30)

أي ليس لأحد طاعة مطلقة إلا رسول الله الذي يوحى إليه، وليس كذلك من بعده من الخلفاء؛ فطاعتهم مقيدة بطاعة الله ورسوله، أو لا يحل قتل أحد سب خليفة؛ إذ هذا الحكم خاص بالنبي.

قال أبو جعفر الطحاوي في بيان معنى هذا الحديث: (فاحتمل أن يكون أراد أبو بكر رضي الله عنه بقوله: (إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله ) أن يقتل أحدا لغضبه عليه، واحتمل أن يكون لا يقتل أحد بأمر من يأمر بقتله، حتى يعلم المأمور استحقاقه لذلك، ويكون من بعد النبي غير مطاع في ذلك، كما كان يطاع هو فيه؛ لأنه المأمون على أفعاله وعلى أقواله، ولأن أقواله وأفعاله إنما هي مردودة إلى الله عز وجل، واجب التصديق بها، وإجراء الأمور عليها، وغيره في ذلك بخلافه).(31)

وقال أيضا: (في هذا الحديث سب ذلك الرجل أبا بكر، وقول أبي بكر لأبي برزة حين استأذنه في قتله إياه لذلك: (ليست هذه لأحد بعد رسول الله )، وكان معقولا: أن من سب رسول الله ؛ كان كافرا حلال الدم، وليس من سب غيره كذلك، فاضطرب علينا معنى ما أريد به في حديث أبي برزة هذا من خصوصية رسول الله ما خص به دون الناس الذين يتولون الأمور بعده، ثم وجدنا أهل العلم قد اختلفوا في هذا وأمثاله مما يأمر به الولاة غيرهم من الناس، هل يسع المأمورين امتثال ذلك، أو لا يسعهم، فكان بعضهم يقول: ذلك واسع للمأمورين أن يفعلوه بأمور حكامهم -أي قضاتهم-، وبأمور من سواهم ممن ولاية ذلك لهم، ومن القائلين بذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، غير أن محمد بن الحسن، قد كان قال بعد ذلك: لا يسع المأمور أن يفعل ذلك حتى يكون الذي يأمره به عنده عدلا، وحتى يشهد عنده بذلك عدل سواه على المأمور فيه بذلك... ولا نعلم لأهل العلم في هذا الباب قولا غير هذين القولين، وكان الذي ذكرناه عن أهل القول الأول منها، إنما أرادوا به العدل من الآمرين، لا من سواهم؛ لأن من خرج عن العدل الذي به استحق الولاية على ما يتولى إلى ضده، (خرج) بذاك عن الولاية على ذلك، وانعزل عنها، فلم يكن واليا عليها..).(32)

قال أبو جعفر: (فكان معقولا أن رسول الله لما ولى عبد الله بن حذافة على ما ولاه عليه كان ذلك ليطيعوه فيما يأمرهم به مما إليه أن يأمرهم به، ولذلك أراد من أراد منهم أن يلقي نفسه في النار لما أمرهم بذلك، فقال لهم رسول الله : " فلا تطيعوهم في معصية الله " فأخرج بذلك أمرهم إياهم بمعصية الله مما كان جعله عليهم من طاعتهم من ولاه عليهم، وفي ذلك ما قد دل على القول الأول من القولين الذين ذكرناهما في هذا الباب، وبان بذلك: أن معنى قول أبي بكر رضي الله عنه: "أنها لم تكن لأحد بعد رسول الله "، أنه أراد بذلك: أنه لم يكن لأحد أن يأمر بقتل أحد لسب سبه من سواه مما ينطلق به له مثل ذلك فيمن سب رسول الله ومن سواه في ذلك؛ لأن من سب رسول الله كان كافرا واجبا على أمته قتله أمروا بذلك أو لم يؤمروا بذلك، ومن سب من سواه من ولاة الأمور بعده، فالذي يستحقه على ذلك الأدب عليه أدب مثله، فأما ما سوى ذلك مما يوجبه عليه خروجه عن الإسلام إلى الكفر فلا).(33)

وعلى هذا الأصل استقر الأمر في نظام الخلافة، وأن من بعد النبي من الخلفاء والأمراء والقضاة والولاة، ليس لهم من الطاعة ما للنبي ، وأن لا طاعة لهم في معصية الله، كما جاء في الصحيح (لا طاعة لمخلوق في معصية الله)، وحصر الطاعة بالمعروف فقط (إنما الطاعة بالمعروف)، ولا طاعة فيما عداه من الأمر والنهي -مما لم يثبت كونه معروفا، مما هو في دائرة الاجتهاد والرأي- إلا للعدول من الخلفاء والأمراء والقضاة، لا للأئمة والولاة والقضاة من أهل الجور والفجور.

ولهذا السبب ذاته وهو إدراك أبي بكر للفرق بين ولايته المقيدة، وولاية النبي المطلقة؛ بادر إلى الفصل بين السلطات بشكل جلي، فولى عمر الفاروق ولاية القضاء في المدينة نفسها؛ فكان أول من فصل السلطة القضائية، عن التنفيذية، وولى أبا عبيدة بن الجراح أمين الأمة على بيت المال.(34)

قال خليفة بن خياط عن خلافة أبي بكر وفصله للسلطات: (وعلى أمره كله والقضاء: عمر بن الخطاب، وقد ولى أبا عبيدة بن الجراح بيت المال).(35)

ومن هنا بدأت الدولة في الإسلام -ومنذ نشأتها في المدينة النبوية ثم امتدادها في عهد الخلفاء الراشدين حتى صارت دولة قارية تمتد بين قارتي آسيا وأفريقيا- على أساس أن السلطة السياسية سلطة تنفيذية في الأصل، ليس من حقها التشريع المطلق أصلا، الذي هو حق لله وحده، وإنما يقتصر دور الأمة والسلطة في الاجتهاد في تحقيق مناط أحكام الكتاب، وسياسة الأمة وفق هداياته، وهو التشريع المقيد وفق الأصول الفقهية المعروفة.

وهذا هو السبب العقائدي والفقهي الأول الذي منع من ظهور الطغيان المطلق في تاريخ الخلافة، كما عرفته النظم السياسية الأخرى، حيث تكون السلطة هي المشرع للأحكام والمنفذ لها، وقد نص الفقهاء على هذا الأصل السياسي، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية: (فولاية الحرب في عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية والمصرية تختص بإقامة الحدود التي فيها إتلاف، مثل قطع يد السارق وعقوبة المحارب ونحو ذلك، وقد يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه إتلاف، كجلد السارق، ويدخل فيها الحكم في المخاصمات والمضاربات، ودواعي التهم التي ليس فيها كتاب وشهود،كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود، وكما تختص بإثبات الحقوق والحكم في مثل ذلك، والنظر في حال نظار الوقوف وأوصياء اليتامى، وغير ذلك مما هو معروف .

وفي بلاد أخرى كبلاد المغرب:ليس لوالي الحرب حكم في شيء، وإنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء،وهذا اتبع للسنة القديمة؛ ولهذا أسباب من المذاهب والعادات مذكورة في غير هذا الموضع).(36)

وكما جاء في نظم الفقيه المالكي القاضي الوزير أبي بكر محمد ابن عاصم الغرناطي - ت 829 هـ - في (تحفة الحكام) حيث قال عن طبيعة عمل القاضي في الإسلام وأنه:(منفذ بالشرع للأحكام ... له نيابة عن الإمام)قال شارحه: (يعني أن القاضي هو المنفذ للأحكام بمقتضى الشرع وموافقته، وأن له نيابة عن الإمام في ذلك).(37)

فالإمام وكيل عن الأمة ونائب عنها، والقاضي نائب عن الإمام، وكلاهما منفذ للأحكام، لا مشرع لها.

وهو ما يؤكد مبدأ الفصل بين السلطات في أصل الإسلام العقائدي والتشريعي؛ فالسلطة التشريعية المطلقة هي للكتاب والسنة، والفقهاء يشرعون بالاجتهاد المقيد وفق النصوص والأصول؛ فلهم سلطة تشريعية مقيدة لا مطلقة، كما للسلطة السياسية التنفيذية سلطة مقيدة في التصرفات السياسية من خلال الشورى المقيدة.

قال القاضي ابن فرحون -ت 799 هـ- في بيان استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية والتشريعية المتمثلة في الفقهاء المشاورين:

(فصل: في جمع الفقهاء للنظر في حكم القاضي: قال مطرف: وإذا اشتكى على القاضي في قضية حكم بها، ورفع ذلك إلى الأمير، فإن كان القاضي مأمونا في أحكامه، عدلا في أحواله، بصيرا بقضائه،أرى أن لا يعرض له الأمير في ذلك، ولا يقبل شكوى من شكاه، ولا يجلس الفقهاء للنظر في قضائه فإن ذلك من الخطأ إن فعله، ومن الفقهاء إن تابعوه على ذلك، وإن كان عنده متهما في أحكامه، أو غير عدل في حاله، أو جاهلا بقضائه فليعزله ويول غيره.

قال مطرف:ولو جهل الأمير فأجلس فقهاء بلده وأمرهم بالنظر في تلك الحكومة، وجهلوا هم أيضا أو أكرهوا على النظر، فنظروا فرأوا فسخ ذلك الحكم، ففسخه الأمير، أو رد قضيته إلى ما رأى الفقهاء فأرى لمن نظر في هذا بعد ذلك أن ينظر في الحكم الأول، فإن كان صوابا بالاختلاف فيه، أو كان مما اختلف فيه أهل العلم، أو مما اختلف فيه الأئمة الماضون فأخذ ببعض ذلك فحكمه ماض،والفسخ الذي تكلفه الأمير والفقهاء باطل، وإن كان الحكم الأول خطأ بينا أمضى فسخه، وأجاز ما فعله الأمير والفقهاء، ولو كان الحكم الأول خطأ بينا أو لعله قد عرف من القاضي بعض ما لا ينبغي من القضاة، ولكن الأمير لم يعزله وأراد النظر في تصحيح ذلك الحكم بعينه، فحينئذ يجوز للفقهاء فيه، فإذا تبين لهم أن حكمه خطأ بين فليرده.

قال: وإن اختلفوا على الأمير فرأى بعضهم رأيا، ورأى بعضهم رأيا غيره، لم يمل مع أكثرهم، ولكن ينظر فيما اختلفوا فيه، فما رآه صوابا قضى به وأنفذه، وكذلك ينبغي للقاضي أن يفعل إذا اختلف عليه المشيرون من الفقهاء).(38)

فهنا فرق ابن فرحون بين ثلاث جهات اختصاص:

الأولى: الأمير الذي يمثل السلطة التنفيذية؛ التي تنفذ أحكام القضاء.

الثانية: القاضي الذي يمثل السلطة القضائية؛ التي تصدر الأحكام في المنازعات.

الثالثة: الفقهاء المشاورون الذين يمثلون السلطة التشريعية المقيدة؛ ودورهم هو بيان حكم الشرع.

وقد نص ابن فرحون نقلا عن أئمة مذهب مالك أنه ليس للأمير ولا للفقهاء أن ينقضوا حكم القاضي، إذا كان عدلا عالما بصيرا بالقضاء، ولا يلتفت إلى من اشتكى عليه، فإن فسخ الأمير حكمه؛ فالفسخ باطل، حتى وإن وافقه عليه الفقهاء المشيرون.

وهذا كله بلا خلاف بين الفقهاء، حماية لسلطة القضاء؛ حتى لا تتدخل فيها السلطة التنفيذية، ولا السلطة التشريعية التي يمثلها الفقهاء!

وقد بلغ من استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية في صدر الخلافة العباسية أن استحدث هارون الرشيد ولاية قاضي القضاة، وكان أول من تولاها أبو يوسف القاضي؛ فاختص باختيار القضاة وعزلهم في كل أنحاء الخلافة شرقا وغربا.

ولا خلاف بين الفقهاء في أن ولاية القضاء يخضع لها الجميع ممن هو تحت ولايتها الخاصة، بما في ذلك رجال السلطة التنفيذية، فالخلفاء والأمراء يخضعون فيما يقاضيهم الناس فيه لولاية القضاء، كما قال السبكي الشافعي: (واحترزنا برتبة القضاء عن الأمراء والملوك، فقضاء قاضي القضاة يشملهم لأنهم مؤتمنون بالشرع، والقضاة نصبوا ليحكموا عليهم).(39)

فالخلفاء وإن كانت لهم ولاية عامة يختصون بموجبها باختيار القضاة، فإنهم يخضعون في الوقت ذاته لولاية القضاء الخاصة في النظر بالخصومات والمنازعات، فيشملهم حكم القضاء كغيرهم من هذه الحيثية.

وهذا تماما كولاية الأمة العامة التي تختار بموجبها الإمام العام، ثم تصبح الأمة بعد توليته تحت ولايته بما يوجب له السمع والطاعة، كما قال ابن نجيم الحنفي: (ولو اجتمع أهل بلدة على تولية واحد القضاء لم يصح، بخلاف ما إذا ولوا سلطانا بعد موت سلطانهم فإنه يجوز).(40)

فالأمة التي تختار السلطان، ليس لها اختيار القاضي إذ هذا من اختصاص السلطان نفسه، ومع ذلك؛ فليس للسلطان بعد اختيار القاضي عزله إذا كان عدلا كفؤا، كما قال الماوردي:

(الفصل الثاني في العزل للقاضي فهو: على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يعزله الإمام المولي.

فإن كان عزله عن اجتهاد أدى إليه، إما لظهور ضعفه وإما لوجود من هو أكفأ منه، جاز أن يعزله.

وإن لم يؤده الاجتهاد إلى عزله لاستقلاله بالنظر في عمله على الصحة والاستقامة، لم يكن له أن يعزله؛ لأنه لا مصلحة في عزل مثله).(41)

وقال أيضا عن أسباب عزل القاضي: (أسباب العزل للقاضي وهي على ثلاثة أضرب: موت وعجز وجرح.

فأما الموت من أسباب عزل القاضي: فهو موت المولي فلا يخلو المولي من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون إماما عام الولاية على القضاء وغيره، فلا تبطل بموته ولايات القضاة، وإن بطل بموت الموكل وكالة الوكيل؛لأن تولية الإمام للقاضي استنابة في حقوق المسلمين لا في حق نفسه، بخلاف الوكيل المستناب في حق موكله.

قد قلد رسول الله عتاب بن أسيد قضاء مكة وصدقات أهلها، فلما مات اختبأ عتاب وامتنع من القضاء، فأظهره سهيل بن عمرو وقال: إن يكن رسول الله قد مات فإن المسلمين باقون، فعاد عتاب إلى نظره، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة فصار إجماعا).(42)

فالقاضي لا ينعزل بموت الإمام لأنه نائب عنه في حقوق المسلمين، وهم أحياء.

وقال الجمل الشافعي شارحا متن القاضي زكريا الأنصاري عن عزل للإمام للقاضي: (...(وللإمام عزله بخلل) ظهر منه... إن وجد ثَمّ صالحٌ غيره للقضاء (وبأفضل) منه، (وبمصلحة) كتسكين فتنة سواء أعزله بمثله أم بدونه، (وإلا) بأن لم يكن شيء من ذلك (حرم) عزله (و) لكنه (ينفذ) طاعة للإمام (إن وجد) ثم (صالح) غيره للقضاء وإلا فلا ينفذ).

(قوله وللإمام عزله) أي القاضي بخلل، وخرج بالقاضي الإمام، والمؤذن، والمدرس، والصوفي، والناظر، فلا ينفذ عزلهم إلا بسبب يقتضيه.

تنبيه: هذا في الأمور العامة أما التدريس والتصوف والنظر والإمامة والأذان ونحو ذلك فلا يجوز العزل بغير سبب، ولو عهد بالخلافة، وقوله بغير سبب فلو عزله حينئذ هل ينفذ طاعة للإمام بشرط وجود صالح نظير ما يأتي في القاضي إذا عزله بغير سبب، قال شيخنا الطبلاوي رحمه الله من هو مقرر في وظيفة لا يجوز عزله بغير سبب يجوّز عزله، فإن عزله بغير سبب لم ينعزل، ويستحق المعلوم إذا باشر الوظيفة).(43)

وقال الخطيب الشربيني الشافعي: (... نعم إن كان متعينا للقضاء لم يجز عزله، ولو عزله لم ينعزل... (وإلا) بأن لم يكن في عزله مصلحة (فلا) يجوز عزله؛ لأنه عبث وتصرف الإمام يصان عنه، وهذا قيد في المثل لا في الأفضل، وقيده في المحرر أيضا بعدم الفتنة في عزله، فقال: أو مثله، وفي عزله به للمسلمين مصلحة، وليس في عزله فتنة، ولا يستغنى عنه بقوله، وفي عزله به مصلحة فقد يكون الشيء مصلحة من وجه آخر، و (لكن ينفذ العزل في الأصح) مراعاة لطاعة الإمام.

والثاني: لا لأنه لا خلل في الأول ولا مصلحة في عزله.

أما إذا لم يوجد هناك من يصلح للقضاء غيره فإنه لا ينعزل، ومتى كان العزل في محل النظر، واحتمل أن يكون فيه مصلحة، فلا اعتراض على الإمام فيه ويحكم بنفوذه).(44)

فليس للسلطة التنفيذية عزل القضاة بغير سبب مشروع للعزل، فإن فعلت؛ فلا ينفذ العزل، وهذا لا يقتصر على القضاة فقط، بل وكل موظفي الدولة وجهازها الإداري، ليس للسلطة عزل أحد من وظيفته بلا سبب يسوغ عزله؛ لما تقرر بالنص والإجماع أن كل ذي ولاية شرعية فتصرفه على من تحت ولايته إنما هو مقيد في تحقيق المصلحة لهم، وبالتي هي أحسن؛ ولهذا تقرر بإجماع الأصوليين والفقهاء أن:

تصرفات السلطة منوطة بمصلحة الأمة:

فلا يحق للسلطة ولا للإمام التصرف في مصالح الأمة العامة إلا بما يحقق المصلحة لهم جميعا، كما قال أبو يوسف قاضي قضاة هارون الرشيد -ت 182 هـ-: (لا ينبغي لأحد أن يحدث شيئا في طريق المسلمين مما يضرهم، ولا يجوز للإمام أن يقطع شيئا من طريق المسلمين مما فيه ضرر عليهم، ولا يسعه ذلك، وإن أراد الإمام أن يقطع طريقا من طرق المسلمين الجادة رجلا يبني عليه، وللعامة طريق غير ذلك بعيد أو قريب منه، لم يسعه إقطاع ذلك، ولا يحل له، وهو آثم إن فعل ذلك).(45)

وهذا يؤكد طبيعة النظام العام للدولة في الإسلام، وأنه نظام دستوري تخضع السلطة فيه لمنظومة من الأحكام والتشريعات والقواعد المنصوصة -المعلومة للأمة- التي تنظم مسئوليتها وصلاحياتها، كما قال القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي -338 هـ - 403 هـ-: (الإمام إنما ينصب لإقامة الأحكام وحدود وأمور قد شرعها الرسول ،وقد تقدم علم الأمة بها،وهو في جميع ما يتولاه وكيل للأمة، ونائب عنها، وهي من ورائه في تسديده وتقويمه، وإذكاره وتنبيهه، وأخذ الحق منه إذا وجب عليه،وخلعه والاستبدال به متى اقترف ما يوجب خلعه).(46)

فقوله: (تقدم علم الأمة بها)؛ يؤكد ثبوت الأحكام وأصول النظام التي تحكم تصرفات الإمام، فالسلطة في الإسلام ليست مطلقة، ولا تتولى تشريع الأحكام والقوانين، كما كان عليه حال الإمبراطوريات والدول قبل ظهور الإسلام وبعده، فالأمة تعلم أحكام الشرع التي يجب على السلطة الخضوع لها، كما إن الإمام وكيل عنها فيما يتولاه من مسئولية، وهي الرقيب عليه عن الانحراف، كما للسلطة القضائية استقلالها ودورها الرقابي في الحد من تجاوز السلطة لصلاحياتها، وإبطال تصرفاتها التي تتعارض مع أحكام الشريعة، أو تتعارض مع المصلحة العامة، إذ تصرف السلطة على الأمة منوط بالمصلحة.

وهي قاعدة فقهية أجمع عليها الأصوليون والفقهاء، كما قال ابن نجيم الحنفي: (القاعدة الخامسة: تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة: وقد صرحوا به في مواضع، منها في كتاب الصلح في مسألة صلح الإمام عن الظلة المبنية في طريق العامة، وصرح به الإمام أبو يوسف رحمه الله في كتاب الخراج في مواضع.

تنبيه:إذا كان فعل الإمام مبنيا على المصلحة فيما يتعلق بالأمور العامة لم ينفذ أمره شرعا إلا إذا وافقه، فإن خالفه لم ينفذ، ولهذا قال الإمام أبو يوسف رحمه الله في كتاب الخراج من باب إحياء الموات: وليس للإمام أن يخرج شيئا من يد أحد إلا بحق ثابت معروف...

تصرف القاضي فيما له فعله في أموال اليتامى، والتركات، والأوقاف مقيد بالمصلحة، فإن لم يكن مبنيا عليها لم يصح، وبهذا علم أن أمر القاضي لا ينفذ إلا إذا وافق الشرع).(47)

وهنا يقرر الفقهاء هذه القاعدة العظيمة من قواعد الحكم وسياسة الأمة التي لم تعرفها الأمم إلا في عصرها الحديث، وهو اشتراط مشروعية الفعل السياسي الصادر عن السلطة التنفيذية، ومشروعية الحكم القضائي الصادر عن السلطة القضائية، وبطلان تصرف كلا السلطتين وعدم نفوذه بعد صدوره عنهما إذا لم يحقق المصلحة العامة، كما قال ابن نجيم: (إذا كان فعل الإمام مبنيا على المصلحة فيما يتعلق بالأمور العامة لم ينفذ أمره شرعا إلا إذا وافقه، فإن خالفه لم ينفذ).

وقال شارحه الحموي (قوله:إن السلطان لا يصح عفوه الخ: لأن الحق للعامة، والإمام نائب عنهم فيما هو أنظر لهم، وليس من النظر إسقاط حقهم مجانا.

قوله:وعلله في الإيضاح بأنه نصب ناظرا.

أي نصب ناظرا في أمور العامة في المصلحة، ولهذا قالوا: لا يصح وقف أراضي بيت المال إلا لمصلحة عامة كما في منظومة ابن وهبان).(48)

وكذا نص على هذه القاعدة فقهاء الشافعية، كما قال الزركشي: (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة نص عليه: قال (الفارسي) في عيون المسائل: قال الشافعي رحمه الله: منزلة الوالي من الرعية : منزلة الولي من اليتيم. انتهى.

وهو نص في كل وال، ومن ثم إذا قسم على الأصناف حرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات؛ لأن عليه التعميم وكذا التسوية).(49)

وقال السيوطي: (القاعدة الخامسة تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة: هذه القاعدة نص عليها الشافعي، وقال منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم، وولي الأمر مأمور بمراعاة المصلحة، ولا مصلحة في حمل الناس على فعل المكروه، قال السبكي في فتاويه: ..واستنبطت ذلك من حديث إنما أنا قاسم والله المعطي، قال ووجه الدلالةأن التمليك والإعطاء إنما هو من الله تعالى، لا من الإمام، فليس للإمام أن يملك أحدا إلا ما ملكه الله، وإنما وظيفة الإمام القسمة، والقسمة لا بد أن تكون بالعدل، ومن العدل تقديم الأحوج، والتسوية بين متساوي الحاجات).(50)

وقد نص على هذه القاعدة في مجلة الأحكام العدلية في الخلافة العثمانية حيث ورد فيها:

(..( المادة 58) :التصرف على الرعية منوط بالمصلحة.

هذه القاعدة مأخوذة من قاعدة "تصرف القاضي فيما له فعله من أموال الناس والأوقاف مقيد بالمصلحة" أي أن تصرف الراعي في أمور الرعية يجب أن يكون مبنيا على المصلحة، وما لم يكن كذلك لا يكون صحيحا.

والرعية هنا:هي عموم الناس الذين هم تحت ولاية الولي... والحاصل يجب أن يكون تصرف السلطان والقاضي والوالي والوصي والمتولي والولي مقرونا بالمصلحة، وإلا فهو غير صحيح، ولا جائز..).(51)

فمبدأ اشتراط مشروعية تصرف السلطة وكل صاحب ولاية، وكونه يحقق المصلحة، لم يعرف إلا في النظم السياسية المعاصرة؛ بينما هي قضية إجماعية في الفقه الإسلامي، وهي مما تقدم علم الأمة به!

وجاء في مجلة الأحكام العدلية أيضا: (... (المادة 59): الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة:

لو أجر القاضي عقارا للوقف بما له من الولاية العامة على الوقف، وأجر متولي الوقف ذلك العقار نفسه، يكون إيجار المتولي صحيحا، ولا يعتبر إيجار القاضي؛ لأن الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة، ولا يحق لصاحب الولاية العامة أن يتصرف بمال الوقف مع وجود صاحب الولاية الخاصة، وإن كان القاضي هو الذي عين ذلك المتولي، كذلك لا يحق للقاضي عزل المتولي المنصوب من قبل الواقف ما لم تظهر عليه خيانة؛ لأن ولايةالواقف على الوقف ولاية خاصة، وهي أقوى من ولاية القاضي، كذلك لا يحق للقاضي أن يتصرف بمال اليتيم الذي نصب عليه وصي، ولا أن يزوج اليتيم أو اليتيمة عند وجود الولي،والحاصل أنه إذا وجدت الولاية الخاصة في شيء لا تأثير للولاية العامة ولا عمل لصاحبها، وأن تصرف الولي العام عند وجود الولي الخاص غير نافذ).(52)

وكل هذه المنظومة من الأحكام والقواعد التشريعية التي كانت تنظم شئون الدولة والمجتمع الإسلامي هي محل إجماع أو اتفاق بين علماء الأمة وفقهائها وقضاتها، وهي التي كانت تحد من تجاوزات السلطة، التي كانت تعلم بأنها منفذ لأحكام الشرع، وقد فصل القرافي المالكي في كتابه (الفروق) في بيان أنواع تصرفات الإمام، وما ينفذ منها، وما لا ينفذ فقال: (القسم الأول: ما تتناوله الولاية بالأصالة:اعلم أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى ولاية وصية، لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة، أو دفع مفسدة، لقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}، ولقوله : (من ولي من أمور أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم، ولم ينصح، فالجنة عليه حرام)، فيكون الأئمة والولاة معزولين عما ليس فيه بذل الجهد، والمرجوح ليس بالأحسن، بل الأحسن ضده، وليس الأخذ به بذلا للاجتهاد بل الأخذ بضده، فقد حجر الله على الأوصياء التصرف فيما ليس بأحسن، مع قلة الفائت من المصلحة في ولايتهم لخستها بالنسبة إلى الولاة والقضاة، فأولى أن يحجر على الولاة والقضاة في ذلك، ومقتضى هذه النصوص أن يكون الجميع معزولين عن المفسدة الراجحة، والمصلحة المرجوحة، والمساوية، وما لا مفسدة فيه ولا مصلحة، لأن هذه الأقسام الأربعة ليست من باب ما هو أحسن، وتكون الولاية إنما تتناول جلب المصلحة الخالصة أو الراجحة، ودرء المفسدة الخالصة أو الراجحة، فأربعة معتبرة، وأربعة ساقطة، ولهذا قال الشافعي لا يبيع الوصي صاعا بصاع، لأنه لا فائدة في ذلك، ولا يفعل الخليفة ذلك في أموال المسلمين، ويجب عليه عزل الحاكم إذا ارتاب فيه، دفعا لمفسدة الريبة على المسلمين، ويعزل المرجوح عند وجود الراجح، تحصيلا لمزيد المصلحة للمسلمين، واختلف في عزل أحد المتساويين).(53)

كما ليس للسلطة عزل الأصلح من القضاة والعمال الأكفاء وتولية من هو دونهم بلا سبب راجح، إذ عزل الأصلح على خلاف المصلحة، فلا ينفذ عزلهم، خاصة القضاة، إلا من كثرت منهم شكاية الناس لجورهم فإنه يسوغ عزلهم.(54)

وكذلك ليس للسلطان أن يولي الوظائف من ليس أهلا لها، كما قال ابن نجيم الحنفي: (إذا ولى السلطان مدرسا ليس بأهل لم تصح توليته لما قدمناه من أن فعله مقيد بالمصلحة، ولا مصلحة في تولية غير الأهل... فإذا لم تكن موجودة -أي الأهلية- لم يصح تقريره، خصوصا إن كان المقرر عن مدرس أهل فإن الأهل لم ينعزل، وصرح البزازي في الصلح أن السلطان إذا أعطى غير المستحق فقد ظلم مرتين: بمنع المستحق، وإعطاء غير المستحق، وقد قدمنا عن رسالة أبي يوسف رحمه الله إلى هرون الرشيد أن الإمام ليس له أن يخرج شيئا من يد أحد إلا بحق ثابت معروف، وعن فتاوى قاضي خان:أن أمر السلطان إنما ينفذ إذا وافق الشرع وإلا فلا ينفذ).(55)

فلا طغاة في الإسلام ولا طغيان، ولا سلطة مطلقة لبشر على بشر، بل الأمة فوق الإمام، تراقبه وتقومه، ولا ينفذ من تصرفاته إلا ما وافق حكم الله ورسوله، وإلا ما حقق المصلحة العامة للأمة، فإن تعدى الإمام واعتدى على أحد؛ وجب إقامة القصاص والحد عليه، فإن أذعن لحكم الله ولحكم القضاء، وإلا وجب خلعه، وفقد شرعية ولايته، كما قال ابن حزم: (والواجب أن وقع شيء من الجور وإن قل أن يُكلم الإمام في ذلك، ويُمنع منه، فإن امتنع، وراجع الحق، وأذعن للقود من البشرة، أو من الأعضاء، ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه؛ فلا سبيل إلى خلعه، وهو إمام كما كان لا يحل خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه، ولم يراجع؛ وجب خلعه، وإقامة غيره ممن يقوم بالحق لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع).(56)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رسالة الخلافة ص 124.

[2]تأمل عبارة هذا الإمام الفقيه المجدد كيف أدرك أنه لا بقاء للإسلام بسقوط الخلافة، وأن حرمتها وأهميتها أعظم من أهمية المساجد وتأمين طرق الحجيج، وهي الثقافة الدينية التي نجحت الحملة الصليبية بعد ذلك في إشاعتها وترسيخها في دويلاتها التي أقامتها، لتنتشر مراكز تحفيظ القرآن في كل مكان، دون أن يحكم القرآن!

[3] رسالة الخلافة ص 126 ـ 127.

[4]ولهذا كانت بريطانيا وراء فكرة تأسيس (الجامعة العربية) تحت نفوذها؛ لقطع العلاقة بين العرب والترك والكرد والفرس والأمم الإسلامية الأخرى!

[5]وهذا ما حدث في الحرب العالمية الثانية حيث كاد الغرب بحروبه الاستعمارية العبثية الهمجية أن يقضي على الحياة الإنسانية، وما يزال الغرب إلى اليوم يهدد بهمجيته الحضارة والإنسان معا!

[6] فقه الخلافة ص 84.

[7] فقه الخلافة ص 89.

[8] فقه الخلافة ص 91.

[9] فقه الخلافة 94.

[10] مجلة الوعي الإسلامي - العدد 63 - ربيع أول - 1390هـ - 6 مايو سنة 1970م - ص 70 (المؤتمر الخامس لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر).

[11] صحيح البخاري ح 6673، وصحيح مسلم ح 1847، وسنن أبي داود ح 4246، وأحمد في المسند 5/ 386.

[12] رواه محمد ابن إسحاق في السيرة مرسلا - كما عند ابن هشام 3/31 -ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى 8/106 عن محمد بن عثمان بن خنيس أخذه من الصحيفة التي عند آل عمر بن الخطاب مطولا، وهذا إسناد كالمتصل، ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال ص215 بإسناد صحيح إلى الزهري، وشهرة هذه الصحيفة تغنيها عن الإسناد، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن صحيفة المدينة في الصارم المسلول ص 64 (هذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم) واحتج بها، وقد رواها عبد الرزاق في المصنف ح رقم 18879 في كتاب العقول عن معمر عن الزهري قال وبلغنا أن رسول الله قال في الكتاب الذي كتبه بين قريش والأنصار(لا يتركون مفرحا أن يعينوه في فكاك أو عقل) وهذا إسناد مسلسل بالأئمة الحفاظ إلى إمام أهل المغازي والسير ابن شهاب الزهري وهو شيخ ابن إسحاق، وهذا اللفظ جزء من سياق خبر الصحيفة المطول وفي قول الزهري (في الكتاب الذي كتبه بين قريش والأنصار) دليل على شهرة الكتاب، كما روى خبر الصحيفة أيضا أحمد في المسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم وأن يفدوا عانيهم بالمعروف) وهو جزء من خبر الصحيفة الطويل، وقد عقد ابن كثير في تاريخه فصلا بعنوان (عقده عليه السلام بين المهاجرين والأنصار في الكتاب الذي أمر به فكتب بينهم وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة)، وساق خبر الصحيفة مطولا، وللاستزادة يمكن الرجوع لبحثي المحكم (صحيفة المدينة بين الاتصال والإرسال) منشور في موقعي..

[13] صحيح البخاري ح رقم (3117)، ومسلم ح (1037).

[14] صحيح البخاري ح 3114، ومسلم ح 2133، وانظر فتح الباري 6/218.

[15] رواه ابن سعد في الطبقات 3/182 من طريق هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال ص 12 رقم 8 و 9 من طريق هشام بن عروة عن أبيه، ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم كلاهما عن أبي بكر، وقد سمع قيس من أبي بكر، ورواه أبو بكر الدينوري في المجالسة رقم 1290 بإسناد صحيح من طريق هلال الوزان عن عبد الله بن عكيم وقد أدرك عهد النبوة، ورقم 1289 من طريق مجالد عن الشعبي، ورواه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب رقم 716 من طريق محمد بن المنكدر عن محمد بن عبد الرحمن بن عوف به؛ فهذه الخطبة مشهورة صحيحة.

[16] رواه محمد بن إسحاق في السيرة كما عند ابن هشام في 6/82 عن الزهري عن أنس رضي الله عنه، وعبد الرزاق في المصنف 16/336 عن معمر، وقال ابن كثير في البداية والنهاية 6/306 عن إسناد محمد بن إسحاق (وهذا إسناد صحيح)، وهو كما قال.

[17] البيهقي في السنن الكبرى 6/353 من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن البصري مرسلا.

[18] رواه مالك في الموطأ 2/445، ومن طريقه البخاري في الصحيح ح رقم 7199 و7200، ومسلم ح رقم 1709.

[19] رواه ابن جرير 2/693 من رواية سيف بن عمر التميمي المؤرخ عن القاسم بن محمد - كذا - عن عون بن عبد الله بن عتبة، والظاهر أن في الإسناد سقطا وخللا؛ فإن سيفًا إنما يروي عن القاسم بن محمد بواسطة سهل بن يوسف بن سهل، ويحتمل أن يكون هو القاسم بن محمد بن عبد الرحمن المخزومي وهو ثقة ومن هذه الطبقة، أو يكون هو تصحيف والصواب الغصن بن القاسم من شيوخ سيف بن عمر، كما في التهذيب، ويروي عن عون بن عبد الله كثيرا، كما في تاريخ ابن جرير، ذكره السمعاني في الأنساب 3/462 وأنه من الأتباع ويروي عن نافع وطبقته، وقد ذكره أبو بكر المالقي في كتابه (التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان) ص 42 (عن الفيض بن محمد عن عون)، فلعله الغصن!

[20] تاريخ الذهبي 5/193، وابن كثير 9/191.

[21] رواه الدارمي في السنن رقم 433 حدثنا موسى بن خالد ثنا معتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن عبد العزيز، وهو إسناد صحيح وفيه إرسال، فقد رواه البسوي في المعرفة والتاريخ - (1 / 319) حدثنا ابن بكير قال: حدثني الليث عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن رجل من أهل واسط يقال له شيبة بن مساور أنه قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يحدثنا، لما استخلف، وجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكره، وشيبة بن مساور واسطي ثقة كما في تعجيل المنفعة رقم 461، فالإسناد صحيح، ومن طريق البسوي البيهقي في المدخل ص 20 ، ورواه ابن سعد في الطبقات5/262 و 286، من طريق سيار أبي الحكم، ومن طريق مالك بن أنس أن عمر بن عبد العزيز، وسيار أدرك عهد عمر وعاصره كبيرا.

[22] رواه الدارقطني في المؤتلف والمختلف 4/1890، وأورده القاضي عياض في ترتيب المدارك 1/166، والذهبي في تاريخ الإسلام 14/ 292.

[23] ابن جرير الطبري 4/427، حوادث سنة 145هـ، وسير أعلام النبلاء 8/80.

[24] انظر تبصرة الحكام 2/96.

[25] المدونة للإمام مالك 1/368.

[26] المدونة للإمام مالك 1/392.

[27] الخلافة ص 9.

[28] الخلافة ص 135.

[29] البيهقي في السنن الكبرى 6/353 من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن البصري مرسلا.

[30] رواه النسائي ح رقم 4071 -4077 بإسناد صحيح على شرط الصحيحين.

[31] شرح مشكل الآثار - (12 / 406)

[32] شرح مشكل الآثار - (12 / 411) ، وما بين القوسين (خرج) سقط من المطبوع ولا يستقيم النص إلا به، والسياق يؤكده.

[33] شرح مشكل الآثار - (12 / 413)

[34] طبقات ابن سعد 3/137 بإسناد صحيح عن عطاء بن السائب مرسلا، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 30/321، ورواه البيهقي في السنن الكبرى 10/87 من حديث محارب بن دثار، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/ 121 (أخرجه البيهقي بسند قوي).

[35] تاريخ خليفة بن خياط ص 22.

[36] الحسبة ص 14

[37] شرح ميارة (1 / 22)

[38] تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (1 / 200 -202)

[39] فتاوى السبكي -(1 / 217)

[40] البحر الرائق شرح كنز الدقائق (17 / 368)

[41] الحاوي الكبير للماوردي (16 / 665)

[42] الحاوي الكبير للماوردي (16 / 667)

[43] حاشية الجمل على شرح المنهج لزكريا الأنصاري (23 / 95 - 96)

[44] مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج - (19 / 87)

[45] الخراج ص 65.

[46] تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل (1 / 476)

[47] الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان - (1 / 123- 125)

[48] غمز عيون البصائر للحموي الحنفي على الأشباه والنظائر لابن نجيم- (2 / 292)

[49] المنثور في القواعد للزركشي الشافعي (1 / 307)

[50] الأشباه والنظائر - (1 / 121)

[51] درر الحكام في شرح مجلة الأحكام - (1 / 97)

درر الحكام في شرح مجلة الأحكام - (1 / 99)

[52] درر الحكام في شرح مجلة الأحكام - (1 / 99)

[53] الفروق للقرافي 4 / 78، وانظر قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/69.

[54] انظر مغني المحتاج 4/380.

[55] الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي ص 427.

[56] الفصل في الملل والنحل 4/132 ـ 135.



رابط مختصر
الرابط المختصر انقر هنا

الرسالة الحادية عشرة (من السياسة الشرعية إلى الشرعية السياسية)

ترك تعليق
التعليقات

الرسالة الحادية عشرة (من السياسة الشرعية إلى الشرعية السياسية)