البيان الختامي لشورى (مؤتمر الأمة) المنعقد الثلاثاء ١٣ ذو القعدة سنة ١٤٤٠ الموافق ١٦ يوليو ٢٠١٩م

بسم الله الرحمن الرحيم
..
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه،
ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي
له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ ..
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة..
إن (شورى مؤتمر الأمة) وفي ختام أعماله في دورته لعام ١٤٤٠ - ٢٠١٩ التي ناقش فيها تقارير مكتب الأمانة العامة، وتم اختيار أ د حاكم المطيري أمينا عاما لدورة جديدة لمدة أربع سنوات - ليحذر من خطورة مشروع ترامب (صفقة القرن) الذي يراد فرضه على المنطقة وشعوبها بالحروب الوظيفية لمصلحة المحتل الصهيوني، ويدعو الأمة وشعوبها كافة إلى الوقوف مع الشعب الفلسطيني ضد العدوان الصهيوني الغاشم على أهالي القدس وغزة، ونصرة الشعب السوري الذي يتعرض لحرب الإبادة الروسية الإيرانية التي تأتي في سياق التغيير الديمغرافي السكاني في العراق وسوريا لتعزيز نفوذ الحملة الصليبية الأمريكية الروسية في كلا البلدين لحماية الاحتلال الصهيوني وفرض مشروع )صفقة القرن)
كما يؤكد (مؤتمر الأمة) وقوفه مع الثورة العربية المباركة التي دخلت عامها التاسع وقد عادت جذعة في موجتها الثانية في السودان والجزائر ثم في سوريا وليبيا، حيث تتعرض الثورة المضادة للهزيمة في كل ساحات الثورة بعد أن بدأت سنة ٢٠١٣ بانقلاب مصر وبلغت ذروتها سنة ٢٠١٦ بانقلاب تركيا، وتحطمت أمواجها على صخرة صمود الأمة وشعوبها وتضحياتها، التي تحملت عبء الثورة الأكبر في جهاد عدوها الخارجي الأمريكي والروسي والصهيوني ووكيله الداخلي الإيراني والعربي الوظيفي!
لقد زلزلت الثورة العربية وما تزال أركان النظام الغربي المحتل للمنطقة وأركان أنظمته ومنظوماته الرسمية والشعبية بما في ذلك كثير من الجماعات الإسلامية التي انهارت بانهيار النظام العربي الذي عاشت في كنفه عقودا طويلة برعاية غربية، وتعاونت معه حتى أعاد إنتاجها على نحو باتت فيه ممارساتها وخطابها أكثر تعبيرا عن النظام العربي ودوره الوظيفي من تعبيرها عن نفسها وعن أمتها ودينها!
لقد انحازت كثير من الجماعات الإسلامية للشعوب وثورتها في الربيع العربي ضد الطغيان الداخلي إلا أنها لم تنحز إليها في جهادها للمحتل الخارجي والطاغوت الدولي!
وفي ظل هذا الانهيار السياسي والمجتمعي والقيمي العقائدي والأخلاقي العام لكل دول المنطقة بدأت الثورة العربية تعيد صياغة الوعي الجمعي من جديد بعد أن تعرت الأنظمة الوظيفية تماما عن كل ما كانت تتدثر به من أردية، وما ترفع من شعارات ورايات زائفة دينية أو قومية أو وطنية، لم تكن تعبر عن حقيقتها بقدر ما كانت تعبر عن طبيعة النظام الدولي الذي يحتل أوطانها ويقتل شعوبها! سواء كانت أنظمة إسلامية أو علمانية، قومية أو وطنية، عسكرية أو ملكية أو جمهورية!
وها هي الثورة اليوم تطرق أبواب دول الثورة المضادة نفسها وقد حاق بطغاتها كيدهم بعد أن أنفقوا أموال الأمة في خدمة الحملة الصليبية ليصدوا عن سبيل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
وإن (مؤتمر الأمة) إذ يؤكد على وجوب الوقوف مع الأمة وشعوبها في ثورتها وجهادها لهذه الحملة الصليبية المعاصرة التي تجتاح بلدانها منذ احتلال أفغانستان ثم العراق ثم سوريا، ليدعو الجميع إلى قيامهم بما أوجب الله على أهل العلم والإيمان القيام به من الصدع بالحق، والقيام لله بالقسط، والدعوة إلى دينه وسنة رسوله ﷺ وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم، كما في الحديث الصحيح (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، خاصة في هذه الغربة التي يعيشها الإسلام اليوم في أرضه، وبين ظهراني أهله، وفي مهبط وحيه، في الحرمين الشريفين وجزيرة العرب، التي باتت تحت نفوذ الحملة الصليبية بشكل كامل مباشر حتى أقام فيها بابا روما هذا العام قداسه فيها لأول مرة في تاريخها!
وقد فرضت هذه الحملة الصليبية على دولها الجاهلية بعلمانيتها وإلحادها وإباحيتها وفسادها، ووقع ما حذر منه النبي ﷺ(دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها، من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا).
فعمت هذه الفتنة وطمت حتى استشرفت لها جماعات إسلامية، واتحادات علمائية تتجارى بها الأهواء، فإذا هي تعيد إنتاج خطاب علي عبد الرازق وتدعو الأمة صراحة إلى العلمانية بدعوى عدم وجوب إقامة الدولة الإسلامية! وحتى نفت أن تكون الخلافة التي أجمع عليها الصحابة من أحكام الإسلام السياسية تماهيا منها مع مشروع ترامب والحملة الصليبية في جزيرة العرب!
وإن من أولى الواجبات الشرعية والسياسية التي يجب العناية بها :
أولا : التصدي لفتنة العلمانية التي يروج لها دعاتها تارة باسم الدولة الوطنية المدنية، وتارة باسم الدولة الديمقراطية، التي يراد لها اليوم أن تكون مرسى الثورة العربية، ومنتهى آمال شعوبها الإسلامية، بدعوى المقاصدية على حساب استعادة الأمة لوحدتها وسيادتها وحريتها وخلافتها وشريعتها!
وهو ما يقتضي تكثيف الخطاب الشرعي والسياسي الذي يجلي خطورة هذه القضية، إذ أن قضية الحكم والدولة في الإسلام، من أركان الدين، لارتباطها بالشهادتين، وبحقيقة التوحيد بمفهومه القرآني، والذي منه توحيد الله في الحكم والطاعة، وتوحيد الأمة وشعوبها سياسيا، كما قال ﷺ (إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، وأن يكون ذلك من خلال نشاط إعلامي وتوعوي كبير لعموم الأمة لبيان طبيعة النظام الإسلامي الراشد وحاجة الأمة إليه وعجز البديل الوظيفي القومي والوطني عن القيام مقامه، والمقاربة بين الواقع وخطاب الشارع، بمشروع سياسي راسخ الأساس، واضح المعالم، يقيم الأحكام، ويحقق المقاصد.
كما يجب تحرير المصطلحات المعاصرة المشكلة المجملة كالدولة المدنية والديمقراطية والوطنية، وبيان ما يقابلها من المصطلحات الإسلامية، فتارة يطلق مصطلح الدولة المدنية ويراد منه ما يقابل الأنظمة العسكرية الدكتاتورية، وتارة يراد منه الدولة غير الدينية وهو معنى يناقض حقيقة الدولة في الإسلام التي تحكم بشريعته، وتلتزم بأحكامه، وتحمل رسالته، وكذا الوطنية نسبة إلى الوطن والانتماء له، باتت مصطلحا سياسيا يراد منه حصر الولاء والانتماء لخريطة سايكس بيكو وحدودها التي فرضها المحتل الغربي، على حساب مفهوم الأمة الواحدة، ووحدة دار الإسلام، والولاء للمؤمنين كافة، كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقال ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال ﷺ (ذمة المؤمنين واحدة يسعى بها أدناهم)، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم(.
ثانيا : تعبئة الرأي العام العربي والإسلامي ضد الحملة الصليبية التي تحتل المنطقة وتواجه ثورة شعوبها وتحاصرها، وتحارب دينها وعقيدتها وهويتها، وكشف مؤامراتها، والتصدي لمشروعها السياسي والاقتصادي الذي يراد فرضه على الأمة بالقوة، لاستلاب سيادتها، ونهب ثرواتها، وإفقار شعوبها، وزيادة الضرائب على مواطنيها، لسداد نفقات الجيوش الصليبية التي تغزوها بأموالها، ولسداد ديون أمريكا وحل مشكلة العجز الذي يعاني منه اقتصادها، مما لم يعد يخفى على أحد حيث يصرح ترامب ليل نهار بابتزاز دول الخليج لتدفع له سنويا ترليون دولار من ثروات شعوبها!
وكذا التصدي للمشروع الصفوي الذي تحالف مع الحملة الصليبية في العراق وسوريا، وبيان بطلان أصوله العقائدية التي استباح بها دماء الأمة وشعوبها كحركة ارتداد باطنية ضد تحرر الأمة وثورتها.
وكشف التخادم بين المشروعين الصفوي والصهيوني اللذين يمارسان العدوان نفسه على الأمة وشعوبها في ظل توظيف ورعاية روسية للأول وأمريكية للثاني.
ثالثا : تعزيز التعاون بين كل قوى الثورة والإصلاح التي تنحاز للأمة ودينها وثورتها وجهادها ووحدتها من الجماعات والأحزاب والعمل معها في كل ساحات الثورة لصالح مشروع التحرر والنهضة .
رابعا : ترشيد الثورة، وتعزيز التعاون بين قواها في كل الساحات فكريا وإعلاميا وسياسيا وميدانيا، فالمعركة اليوم في ظل التداعي الأممي معركة أمة، ولا تواجه إلا بالأمة، ولا تخاض إلا بمشروع أمة.
خامسا : صناعة تيار شعبي عام يؤمن بمشروع (نحو أمة واحدة وخلافة راشدة)، وبمرحلة المشروع وفق رؤية واقعية سياسية تبدأ بالدعوة إلى (إقامة الدولة الراشدة في كل قطر وصولا إلى الأمة الواحدة والخلافة الراشدة)، ويؤمن بحق الأمة وشعوبها في الثورة على الأنظمة الوظيفية، ومواجهة مشروع الحملة الصليبية فكريا وإعلاميا وسياسيا .
هذا ونسأل الله القدير أن يفتح على الأمة فتحا من عنده، تتحد به رؤيتها، وتتآلف به قلوبها، وتتوحد لأجله صفوفها، وما نحن إلا لبنة من لبناتها، وسهم في كنانتها، نذود عنها، ونقاتل معها، ونفيء إليها، فإن أصبنا فذلك فضل الله وحده، وإن قصرنا فذلك من أنفسنا..
ونسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا وخطأنا، وأن يتولى أمرنا، ويسدد رمينا، ويثبت
أقدامنا ..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه.
مؤتمر الأمةالثلاثاء 20 ذوالقعدة 1440 هـالموافق 23 يوليو 2019م
